Skip navigation

لوحة الرّسم

-1-

كان فيلم الكرتون قد خلب لبّي !، أرجل الشيطان مثل قوائم البقر .. وعيون الساحرة الحمراء !.. وبطلنا ، نحن الأطفال ، يتمتّع بأظافر قويّة ، حادّة !، خمش وجه الشيطان ، وفتك بأعوانه جميعاً !، مستخدماً الأظافر !، والأظافر فحسب !.

ومن جديد ، استطالت أظافري ، انتبه إلى ذلك أبي ، ونطق بأمر عسكريّ :

هات المقصّ وتعال !..”

قصّها لي جميعاً ، ومع كل ظفر يسقط ، اختار أبي جملة ، فأنشأ قصيدة من عشر أبيات :

أظافرك هذه للبنات ، لتصبغها بالأحمر إذاً ؟!، أما تستحي وأنت بهذه الأظافر ؟!، النظافة من الإيمان !، أما يراك المعلّم ؟! أو لعلّه مثلك ، فكيف يراك ؟!، أمك .. هي التي دلّلتك !.. أفسدك الدلال !.. أيها الولد العنيد !..

وراح يلهث !..إنه أجيج الشعر !. ولم أنبس بحرف ، إلاّ أني صرخت ، عندما قرض المقصّ لحم الظفر ، فردّ أبي على الصرخة بالمثل ! .

أويت إلى الفراش باكراً ، ونخز الظفر المقروض يدقّ في قلبي ضربات تحاكي النبض ! . أخوتي ممدّدون بالتوازي ، يغطّون في نومهم !.. باستطاعتي التمييز بينهم ، من أصوات الشخير !، إنها سمفونية طويلة ، تعزفها جوقة مترامية الأطراف ، بآلتي الأنف والفم !.. الإيقاع الرّقيق الحادّ ، هذا هو أخي الأصغر ، كلّما خرج إلى الزقاق نودي ، وحطّ أبي على خدّه صفعة !، أخيراً ، اشترى له دراجة من سوق الخميس ، على شرط أن يدحرجها داخل الدار . فتغيّر لحن الشخير عنده، فجأة !، أصبح الصوت متقطّعاً ، وكان مديداً !، قالت أمي ، الأمل ، كل الأمل ، أن ينقطع شخير الولد في المستقبل ، حين يمتلك درّاجة ناريّة !.”

أنا لا أحبّ الدرّاجات مطلقاً ، أرى أخوتي في صراع عليها ، فتأخذني الدهشة ، وأقول في نفسي ، علام يتشاجر المجانين ؟!. لكني كنت أومن بفائدة الدرّاجة ، وأن باستطاعتها قطع المسافة الطويلة ، من بيتنا على الهضبة ، إلى قاع المدينة ، دون جهد يذكر . أمّا في الصعود ، ويا للهول !، فشيء آخر !، من أجل ذلك ظللت أسائل نفسي : علام يتقاتل المجانين ؟!.

أخي الأكبر مني بقليل ، عامل مناضل ، يساهم في بناء الأسرة ، مثل أبي ، وعمله يقتصر على بيع الدخان المهرّب ، في عرض الشارع ، ولذلك يملك ساقين قويّتين ، يطلقهما للريح مع وجود شرطيّ قادم . ونحترمه كلّ احترام !، أخيراً ، حصل على الجائزة الأولى ، من رئيسه ، وجاء لأبي بصندوق تبغ مختوم . فسحب أبي سيجارة ، ودخّن بمتعة فائقة ، كان يرنو إلى أخي بإعجاب وفخر !، قال له ، وهو ينفث الدفعة الأخيرة ، أنت رجل البيت ، ورمز العائلة ، وابن أبيك ، أيها الصنديد !.، فحفظت له مقطوعة شعرية أخرى !. منذ ذلك الوقت ، تغيّر شخير هذا الأخ أيضا إلى الأفضل ! .

أخواي الأكبران ، في مستوى من العمر واحد ، إنهما توأمان ، ومع ذلك فلابدّ أن أحدهما يتقدّم على الآخر في السن ، ولو للحظات معدودة ، ذلك الذي سقط إلى الدنيا أولاً ، وملأها صراخاً ، هذه المسألة عذّبت أمي كثيراً !، إذ طالما واجهت ذات السؤال ، من سقط إلى الدنيا أولاً ؟!، ” . قرّرت أخيراً ، أنه الثرثار الشرس !، سقط بالعويل ، ممهّداً الطريق للثاني ، فحمل المهمّة كلّها ، وكان الثاني صموتاً هموساً !..

في مرّة كنا في هرج ومرج حول سنّ أخويّ الكبيرين ، فطلب منهما أخي الرّاكض أن يكشفا أسنانهما للفحص !، ثمّ نشبت المعركة ، اختار الصّموت أن ينسحب خارج الغرفة بأن أدلى أذنيه مطرق الرأس !، لكن أبي ، كعادته ، كان ينتصر للدّخان المهرّب !.

وفي مرة ، اكتشفت أمي في جعبة أخي الانطوائيّ صورة لفتاة ، فلمّا أرادت التحقيق معه ، مزّق الصورة نتفاً صغيرة ، وألقاها أرضاً ، ثمّ خرج مطرقاً دون أن ينبس بحرف !.

رسخ المشهد في ذاكرتي بالألم !، من تكون الفتاة ؟!، ولم لم يجب أخي على أيّ سؤال ؟!، تساءلت ، من منهما الضحيّة ، أخي أم الفتاة ؟!، ولكن من هي هذه ؟!، أين تسكن ، لأحزن عليها؟!، لم أعرف ، ولا أعرف إلى الآن !، رجوت أخي ، من بعد ، أن يجيبني ، فأدلى أذنيه وخرج !.

أبي من باعة الأرصفة ، يرجع ، كل يوم ، إلى البيت منهكاً ملويّ الذراع ، فمرة لا يبيع ، ومرة يبيع ، ومرة تصادر له الشرطة أكثر مما يبيع ، قليلاً ما يتحدّث عن ذلك !، و النتيجة واحدة !. فهو منزعج غالباً ، ويصرخ لكلّ هفوة !. لا نستطيع البقاء أمامه ، فنتركه للنوم ، ونمضي الوقت في الشارع !.

مرة ، انتبهت له يذرف الدمع ، وهو يسقي الورود ، فيقطر دمعه والماء !. لا تذهب الغصّة من صدري أبداً ، تنتابني الرعشة كلّما تذكّرت !. وأحسّ بأبي ما كان دمعه يسقي الزهور وحسب ، بل كان يسقينا !.

حين يعضّه الحزن ، لا يهدّئ من روعه إلاّ بائع الدخان ، يقعده في حجره ، ويمسح على رأسه بالأنامل . مرة ، كان مثقلاً بالهمّ ، فاستثنى أخي هذا ، وصبّ علينا الشتائم كلّها ، ناعتاً إيّانا بالكلاب المسعورة ، والخنازير !.. كلام لا أنساه :

ما الفائدة منكم ؟!.. تتعلّمون اللؤم والخبث في المدارس، لتصبحوا لئاماً ، قذرين ، تصادرون الناس بأشيائهم ، وتقبضون الرّشاوى ، وتسرقون ، وتظلمون !.. تبّاً لكم !.

وفي مرّة قصّ على أمي مجريات العمل ، لذاك اليوم ، لمّا جمعوا منهم البضاعة ، صرخ وزملاءه في وجه الشرطيّ ، حطّمتم كلّ شيء ، فماذا نعمل ؟!. قال لهم الشرطيّ ، اعملوا قوّادين !. عندها بصقوا على الشرطيّ بصق رجل واحد ، وحثّ هذا إلى أقرانه !.

ما زال الألم ينخز في قلبي !، شكل النافذتين مستطيل ضيّق ينتهي ، من أعلى ، بقوس على شكل ظفر ، فهما على شكل إصبعين مرفوعتين . الباب ، كالإبهام ، أكثر ثخناً وانخفاضاً ، قوسه الأعلى على شكل ظفر أيضاً ، وغطّى الظلام ساحة الدار ، مسدلاً على الزجاج ستاراً أسود .

ثم شعرت بالنوم ، فسقطت أغفو توّاً !.

البحر ناصع الزّرقة ، وتحطّ نسمات رقيقة ، فتلوي استواءه ليّ البساط . ومن حين لآخر ، يثقب البساط رأس حوت عات وثباً في الهواء ، ثم ينغمس فيه !، جعلت أغوص في العمق حتى مكثت أمام الحوت الكبير !. أعرف ، ممّا رأيت في أفلام البحار، أنه من الخبث بحيث يربض كالطّود بفيه فاغر ، فلا يأتي بشيء سوى استقبال السمك الضّال في جوفه ، فلا يخرج السمك بعد أبداً !.

راقبت المشهد كلّه ، بلع وهضم ، وبلع وهضم !.. فإلى متى هذا ؟!.. أطلقت صفرة طويلة .. فانفثأت ، وفقاعات الهواء بدل أن تستمرّ في الاندفاع راحت تثب إلى وجه البحر ، وتفرغ !.، تلمّست أظافري المقصوصة ، أريد الانقضاض !. لكني وجدت فيّ ثقلاً ، ولمّا يزل الفكّ مشرّعاً ، يستقبل طائفة بعد أخرى !.. وانحرفت ، فلم يأبه !.. إلى أن اختفيت في العشب الأسطوريّ ،هناك رأيت الأسماك تسطع بالأحمر ، والأزرق ، والأخضر !..فيها الشفاّف ، الملوّن !، وتقابلت اثنتان، فقبّلت إحداهما الأخرى ، مع كلتيهما لوحة رسم جميلة !، ثم انسابتا في اتّجاهين متعاكسين .. واقتربت إحداهما فقبّلت ظفري ، عندئذ أحسست بشرارة النار !!!

بسرعة خارقة شرّعت في التصاعد إلى أعلى ، وأعلى .. حتى ثقبت وجه البساط الأزرق ، ودفعت النوم عنّي كلّه !.”

وجدت إصبعي ينخز بالألم ، وعلى النوافذ فتح البدر نفقا أحاطه ضباب الظلام !، جوقة العزف الجماعي تعمل مازالت في السمفونية الطويلة !، وتنقر الساعة ، في عمق الليل ، دقائق الوقت باتّساق عجيب ، مع نبض القلب ، ووخز الألم !..

فقمت أتمشى ..

قعدت عند حوض الزهر على حجر ، متملّياً البدر .. يأتي نقيق الضفادع من خارج ، وأزيز الجندب جدّ قريب ، الجوّ الرّطب ، و ينفث الورد أريج العطور !..

هذه الدار الجميلة ، بحاجة إلى أجر شهريّ !، جميلة !، حتى وإن طوّقها القمامة ، أريج الورود يصدّ الرائحة النتنة . ولكن المشكلة ، هي في الأجر !، أين نذهب ؟!، وكيف نترك الجيران والأصدقاء ؟!.

عندما حملت طبق الطعام إلى جارنا العجوز ، شعرت بلحظة من الصدق هناك !، زجاجتا نظاّرتيه أصبحتا سميكتين ، لكنه لا يكفّ عن القراءة !، أحاطت به رفوف الكتب ، ويخطّ بريشة التخطيط خطّاً جميلاً ، هو الذي يرمّم أشياءه ، من تجليد وترتيب ، أمّا الهرّ ، فغالباً ما يأخذ مكانه المفضّل على كرسيّ القشّ الواطئ ، ويراقب العجوز ماذا يفعل ؟!.. حاولت مرة أن أزيحه لآخذ الكرسيّ ، ففحّ كالثعبان ، وانهال عليّ بالمخلب !. لا يتدخل العجوز في شجارنا . ومنذ تلك اللحظة ، لم أعمد إلى طرده ، أمّا إذا وجدت الكرسيّ شاغراً وجلست ، فهو يحترم ذلك حتى أغادر .

في دار العجوز باحة سماويّة ، وشجرة البرتقال ، شمخت أغصانها ، ترمي على الدار الظلّ والرائحة ، ما يصدّ هجوم الأوساخ . وتشدو جوقة العصافير باستمرار ، رغم ما تدفع للهرّ من ضريبة باهظة !.. عندما رأيت عصفوراً في فمه رحت أمقته !، صرّحت بذلك للعجوز !، فقال العجوز ، تعال يا بنيّ !.. أجلسني على كرسيّ القشّ ، وطرح عليّ سؤالاً ، لماذا نمقت هرّاً رأينا عصفوراً في فمه ؟!، ونرى إلى الصيّادين أبطالاً ، على خصورهم قلائد العصافير ؟!.. قلت للعجوز ، لا أراهم أبطالاً !. قال ، حسناً ، أنت لا تراهم أبطالاً ، فهل تعرف كيف يراهم الناس ؟!. لماذا نريد للقط أن يكون أكثر حكمة من ذوي الحكمة ؟!، أو أن يكون ملكيّاً أكثر من الملك ؟!..

رغم أنّي ما فهمت الجملة الأخيرة ، فقد أحدث العجوز فيّ انعطافاً !، أخذت أحبّ غناءه بالأناشيد ، وأسمع منه التلاوة والأشعار !.. أحببت الكتب المرصوفة ، والطاولة الصغيرة ، والهرّ ، وشجرة البرتقال ، والعصافير !..

يوم الجمعة لا نهدي العجوز طعاماً . هذا يوم الجمع ، يملأ الدار أبناؤه والأحفاد ، وهو سعيد في هذا اليوم ، لا يهدّد الفرحة سوى الإحساس بأن خطراً ما يتوعّد الزهور والزجاج ، وكلّ شيء سريع العطب . فيضطرّ العجوز للتوزّع بين حديث الكبار ، والانتباه إلى الصغار !..

أحفاد العجوز من أصدقائي ، كثيراً ما شاركتهم اللّهو ، ربط العجوز أرجوحة بالشجرة ، وحين نلعب ، نتجاوب والعصافير أصداء الشدو بالصخب !، في مرّة ، دقّ العجوز ناقوس الخطر ، ثم دقّه ، بلا جدوى!.. أخيراً ، خرج بالعكاز وقال ، لماذا هذه الضجّة ؟!. وإذا بنا قد خرسنا جميعاً !، فرفع العكّاز أقصى ما يستطيع ، و انهال به في الخلاء !.. كان هذا كافياً !، فهو يعرف خصومه ، سمّاهم بالاسم واحداً بعد آخر .. وبعد أن عاد أدراجه ، ضحكنا ، إلاّ خصوم العجوز لم يضحكوا !، فجاءنا صوته بالتهديد ، من جديد :”هل أرجع إليكم ، هل أرجع ؟!.ستهوي العصا على مؤخّرة أحدكم ، إن جئت !.”

قمت أمشي باتجاه أزيز الجندب ، قلّبت الأحجار واحدة بعد أخرى ، فلم أعثر على شيء !، وما إن تركت المكان ، حتى استأنف الجندب الصّداح !..

رفعت غطاء البئر ، وألقيت حجراً شقّ وجه الماء ، فجاء الصوت يتبعه الصّدى !..

وأخذ الألم يهدأ في ظفري ، فقرّرت العودة إلى كنف الجوقة ، وارتميت في الفراش !.. لا أعرف ما إذا كنت أصدر الشخير في نومي أيضاً !، مرة ، سألت أمي ، فأجابت ، كلكم تشخرون !.” .

# # #

ركضت على خطا أبي ماسكاً كفّه ، إلى السوق !.. هذه هي المرّة الألف توصيه أمي بشراء حذاء لي !.. وتمّ تعطيل الوصايا جميعاً ، الأسباب ضاغطة !.. إيفاء الدين ، وسداد الفواتير ، وموسم المؤونة !..

تشقّق جلد الحذاء ، وبلي النعل . فبزغت أصابعي في الهواء الطلق !.. وأبي يهزّ رأسه لأمي ، ويقول ، وهل تحسبينني أعمى ؟!..

حين تعثّرت بأحجار الطريق ، زمّ أبي حاجبيه ليقول ، لا أراك إلاّ مطرق الرأس ، تتعثّر بالأحجار!.

كنت أراقب أصابعي المنبثقة خلال الجلد ، وكلّما قذفت القدم قذفت العين عليها !. برزت إصبعي الصغيرة كليّاً ، تلج وتنبو في احتكاك مستمرّ مع حافّة الجلد ، ما يسبّب الألم ، حتى إنها أصبحت محمرّة ، توشك أن تنكشط !، هذا يعني أني مصاب بإصبعين ، في الرجل واليد !.. ولم أقل لأبي شيئاً من ذلك ، لسبب بسيط ، هو أني أجهل ردّ فعله !..

كانت العاصفة !.. التراب يصفع وجهي ، والغبار يلج الحدقة !، فكيف يريد أبي أن أرى موطئ القدم ؟!. قلت له ذلك ، وأكثر ، لماذا لا نركب السيارة إذاً ؟!، فقال ، تريد ركوب السيارة ، أم ركوب حذاء جديد ؟!، فسكتّ كليّاً !، أيّ مقارنة هذه ، ما بين الحذاء والسيارة ؟!. حين أسمع أبي في هذه المراوغة ، أقول في نفسي ، يا ربّ ، كيف أساعده ؟!، قلت له مرة ، دعني أعمل !، فنظر إليّ ساخراً وقال ، ماذا تعمل ؟!، قلت له ، وماذا يعمل أخي ؟!، أيّ شيء ، ماسحاً للأحذية ، بائعاً للبوظة ، أو للدخان !.. فردّ عليّ ردّه الصارم ، بل تبقى في المدرسة !، وشعرت بالغضب ، فلم أتمالك نفسي ، قلت له ، أ لأنّي مجتهد في الدرس أصبحت مجرماً ؟!، فقام يبحث عن عصا ، وأطلقت ساقيّ للريح !..

مررنا بعجوز امتطى حماراً هزيلاً !.. وأكثر من هذا ، علّق حبلاً يشدّ به كبشين ضخمين !.. والكبشان ينتعان الحبل إلى الوراء بقوّة ، بحيث أوقفا الحمار الهزيل ومعه العجوز عن التقدّم خطوة واحدة !. ثم راح الحمار يترنّح يمنة ويسرة ، حتى أيقن العجوز بالسّقوط لا محالة ، فاستغاث بنا !..

تراجع أبي رافعاً ذراعيه إلى الجنب ، وراء الكبشين ، وهشّ عليهما بهدوء ، ففعلت مثله . قال أبي ، لو أنّا طاردنا الكبشين في فوضى ، فسوف ينسفان العجوز والحمار معه !. وفعلاً ، جنح الكبشان إلى الطّاعة، وأبعرا على أقدامنا ، شكراً لنا ! .

وانضم إلينا رجل ماش ، على معرفة بأبي ، ناداه باسمه ، وراح يتحدث عن العجوز الهرم ، صاحب الكبشين .

قال الرجل :

إن العجوز وزوجه يهمّان بالسفر إلى الحج ، ولذا فهو يهيّئ الكبشين للأضحية ، ولمّا سألته ، إن الأضاحي تكون هناك ، قال ، عندنا كثير من الجائعين!. واشترى قبرين فارغين ، له ولزوجه ، كتب عليهما الأسماء بلا تاريخ ، استباقاً للموت ، ثم هو ، منذ ذلك الوقت ، يزور القبرين ، ويقرأ عليهما الفاتحة !، هيّأ كلّ شيء !.. الوصايا مودعة في سرّ المختار ، وهو في سباق مع الموت !.

هزّ أبي رأسه معقّباً :

وهل تظن السباق مع الموت شيئاً صغيراً ؟!، أصبح أكثر كلفة منه مع الحياة !.. فهل تعرف ، بكم اشترى العجوز القبرين ؟!، سيقذفوننا خارج المدينة يوماً ما ، فلا نزار !.. ومن لم يغترب في حياته ، يغترب في مماته ، أو فيهما معاً !.. وتكون المقابر القريبة للمقرّبين !..

ضحك الرجل موافقاً لأبي ، وشعرت بالفخر ، بما أن أبي ينطق بالحكمة !.

منذ دخولنا دائرة الكهرباء ، استوقف رجل أبي ، وقال له ، إن احتجت لشيء فأخبرني !. وفي مكتب الموظّف ، رفض أبي أننا استهلكنا بهذا القدر الكبير !. فهزّ الموظف رأسه وقال ، اعترض !. ولكن قبل كل شيء ، عليك الدفع !. عاد أبي وأقسم للموظف أغلظ الأيمان !، فاستوقفه الموظّف بابتسامة خبيثة ، وكانت الصورة الضخمة المعلقة على الحائط تنظر بازورار . قال الموظّف أخيراً ، يا سيدي ! لا تضع وقتي ، هذا هو القانون !.

في الخارج ، استوقفنا الرجل ثانية ، وكانت عينا أبي تقدحان بالشّرر ، قال الرجل ، لنعطه شيئاً يسدّ شدقيه !. وقال أبي ، لن أدفع .

واتجهنا إلى سوق الخميس !.. كان أبي يعمل فيه ، ظلّ ردحاً من الزمن !، وكان يقول ، حين السوق يزدهر ، يستحيل إلى متحف ، يضم أصناف الفنون ، والأثريّات ، والكتب القديمة ، وكل شيء !. وينحطّ مع ظرف الناس ، حتى يكون شبه كومة من الزبالة ، من حطام الأشياء ، والألبسة العتيقة البالية .

اليوم ، يطفح السوق بالزبالة !، لكنا عثرنا على أشياء ، وقال أبي ، هذه هي العادة !. حين يكون السوق في أسوأ حال ، نجد اللآلئ مطمورة في القمامة ، و حين يكون جيّداً ، نجدها مرصّعة في الأقفاص !.

وأنا فخور بأبي ، بما أنه ينطق بالحكمة !.

اشترى أبي ، من هنا، أشياء كثيرة ، زهيدة السعر ، وجميلة !. أخيراً ، هدّد أمي ببيع ثريّا النحاس ، لسداد فاتورة الكهرباء . فكادت أمي أن تجهش بالبكاء !، قال لها ، إذاً عليك أن تقرّري إمّا ، بيع المروحة ، أو الثريّا ، أو الخزانة . فلم تجبه . هجرته ، وأصبحت تنام معنا ، في غرفة الأطفال !. ومضت الأيّام إلى أن كسب بعض المال ، فقال لها ، لن نبيع شيئاً !.

شاهدت لوحة من الرسم ، عند أحد الباعة ، عبارة عن فتاة جميلة بثوب مزركش، شالها الأزرق على الصدر ، وأرخت كفّها بالأنامل الطويلة !، فأعجبتني !. ظللت ، خلال مرورنا ، أرى إليها ، فلمّا جزنا الواجهة ، وارتطمت بماش أمامي ، انتهرني أبي ، فلويت برأسي ، ثم انعطفنا ، في آخر السوق ، إلى الجهة اليمنى . وتوقّفنا لدى بائع الأحذية المستعملة .

بعثر أبي كومة الأحذية كلّها ، ثم التقط حذاءً وجدته مريحاً رائعاً . فانخرط أبي في صراع مع البائع حول السعر !. لكن البائع قلب الحذاء رأساً على عقب ، وأراه العلامة ، قائلاً ، هذا حذاء إيطاليّ ، ويا ليتك تعرف ما هو الحذاء الإيطاليّ !، أحسن من حذاء جديد ألف مرّة !.

لكن أبي وجد الحذاء غالياً، وشدّ يدي مواصلاً السير . فرحت أنتع يده بكلّ قوة !، وكما فعل الكبشان بالعجوز وحماره فعلت به ، حتى ترنّح الرجل يمنة ويسرة ، ثم استدار إليّ :” وبعد !.. ماذا تريد ؟!. ” أريد الحذاء

أقسم البائع لأبي ، من جديد ، أنه لو لم يكن مضطرّاً لبيع البضاعة ، لباع الحذاء بضعف السعر !، يريدون إخلاء السوق ، وهذا هو السبب !..”

سمع أبي السبب فوافق على الفور ، ثم انهمك في حديث هامس مع البائع . أمّا أنا فامتطيت الحذاء ، ورحت أذرع السوق ذهاباً وإياباً !..

ما عدت أستشعر نتوء الحصى !.. كأني أمشي على وجه الماء !، ضغطت على الحذاء ثقلي كلّه متبختراً ، مصعّراً خدّي خلال السوق ، ولم ينته أبي من الحديث بعد !. فانعطفت ، وتوقّفت أمام لوحة الرسم !.

ربّما أن وقفتي طالت !.. أخيراً ، قال البائع العجوز :

اشترها ، أخفّض لك السعر !..

بكم ؟.

بمائتي ليرة !.

سأسأل أبي .

قل له ، لو لم نكن مضطرين لإخلاء السوق ، لكان السعر ضعفين !.. مفهوم ؟!..قل له هذا !.

سأقول .

افترّت الفتاة بابتسامة أكبر !.. حرّكت الأنامل لتضع السبّابة على أخواتها !.. وعيناها الخصيبتان !.. لكني انتبهت للبائع ينظر إليّ متضامناً ، فأحسست بالخجل!.

وأين أبوك ؟!، هل تكذب عليّ ؟!.

يحادث بائع الأحذية .

اذهب وات به إذاً .

عندما عدت ، لاحظت الباعة في حلقات ، يتحدّثون بعصبيّة !.. عجوز يلفّ سيجارة التبغ برماً بالأصابع ، وآخر ، يرفع كأس الشاي الثقيل إلى شفتيه، وآخر يتحدّث برفع الصوت من حين لآخر !. في الدكان الثانية ، عجوز لوحده !، يستمع لعبد الوهاب وهو يغنيّ يا ظالم لك يوم ” .

انعطفت إلى الصفّ الموازي ، فرأيت أبي ما زال والبائع منهمكين في الحديث ، فاقتربت منهما ، وأخذت أدقّ الأرض بقدمي !، فلمّا لم يأبه أبي ، عدت أدراجي ومكثت أمام اللوحة . لا أعرف كم من وقت مضى ، فلم أشعر إلاّ وكفّه تربّت على رأسي . وصدق ظنّي ، فلم يقبل أبي بشراء اللوحة !.. ترست قدميّ بالأرض ، كما فعل الكبشان ، وأخذ يشدّني عنوة !.. قال له البائع ، اشتر اللوحة للصبيّ بسعر رخيص !.. لولا أني سأخلي المحل ، لطلبت ضعفين !.. فلم يكترث !.

قال لي ، تعال وأنا أشرح لك :

لو اشتريت لك اللوحة ، لصرخت بي أمك وقالت ، بسببها ، لن تدخل الملائكة بيتنا بعد اليوم !.

قل لها ، ابنك هو الذي اشتراها !.

لن تعرف غيري مسؤولاً عن ذلك !.

وماذا عساها تفعل ؟!.

تهجرني شهرين ، وتنام في غرفتكم !..

أعلّق اللوحة في غرفتنا ، فتهرب إليك !.

آه.. بهذه السهولة ؟! ستخلع أمك اللوحة ، وتقذف بها في وجهي !. ثم ترجع لتنام قريرة العين !.

ما استطعت إقناع أبي ، فظللت ، طول الطريق ، صامتاً ، مطرق الرأس في الحذاء الإيطاليّ !، هو ذاك ما بثّني السلوى !.. أصبحت مشيتي خفيفة مريحة ، وسكن الألم في إصبعيّ . ثم الحل هناك عند أمي ، إذا قلت لها ، سأصبح رسّاماً ، سأرى .. إن وافقت ، سأطرح عليها موضوع اللوحة فوراً !. فهل يمكن ، إذا ما وافقت ، أن ترفض شراء اللوحة ؟!.. وإذا احتجّت بموضوع الملائكة ، سأقول لها ، ما رأيت ملاكاً يدخل بيتنا قطّ !.، فلماذا نلقي اللّوم على لوحة ؟!.. أسمعت أبي تلك الخواطر ، فما كان منه إلاّ أن تضاحك ، وقال ، طيّب ، أنا لا علاقة لي في الأمر ، أقنعها وأنا معك !.

وما إن دخلنا البيت ، حتى صرخ أبي :

ابنك يريد أن يشتري لوحة الرسم ليصبح رسّاماً !..

قالت له أمي ، حسناً فعلت بشرائك الحذاء المستعمل، وفّرت لنا بعض المال لفاتورة الكهرباء !. ثم لمّا طرحت موضوع اللّوحة ، قام أبي وغادر الغرفة !. وراحت أمي تصرخ :

يا ولد !.. يا ولد !.. أما ترى أننا لا نقدر على دفع فاتورة الكهرباء ؟!..

وفّرت ثمن حذاء جديد !..

وماذا يعني ؟!.. تريد أخذ ما وفّرت ؟!..

أريد شراء اللوحة !.

يا ولد !.. هذا يكفي !.

وما رأيك أني أصبح رسّاماً ؟!.

رسّاماً ؟!.. لو أصبحت طبّالاً لأثلجت صدري !.

طبّالاً يثلج صدرك ؟!.

طبعاً ، لنرقص على الطبل من الجوع !.. هيّا احمل ذيلك ، وافتح كتاب المدرسة !.

نظر أخي الصّامت إلى الحذاء ، فهز ّرأسه شمالاً ويميناً ، ثم أدلى أذنيه وخرج ، دون إعطاء كلمة واحدة !. بعدها سرّب لي رأيه أخي ، شقيقه التوأم ، أنه لو ظلّ ، الدهر كلّه ، حافياً لن يقبل بشراء حذاء قديم ، وعقّب على رأيه ، طبعاً واحد مثله ، يخوض امتحانات الكفاءة ، لا يليق به حذاء مستعمل ؟!. ثم لا نعرف ، هل ينجح أم يسقط !.. إن نجح ، كان بها ، وإن لم ينجح ، فيا للهول !..” .

قلت لأخي هذا ، لو أني أعرف الفتاة ، صاحبة الصورة الممزّقة لأريته ماذا أفعل !. وقال أخي بائع الدخان ، هذا حذاء جيّد للركض ، ولإطفاء السجاير في الأرض !، لو أنك لا تحبه ، لأخذته منك !..

لا يثلج صدري إلاّ العجوز !..

ذهبت إليه بطبق الحساء ، بعد أن ارتشف جرعة ، واستمع إليّ ، قال لي ، اسمع يا بنيّ !.. ألا تريد أن تصبح رسّاماً ؟!. قلت له ، بلى . قال ، إذاً هذا يكفي !، أن ترى لوحة في سوق الخميس ، وتحتفظ بها في قلبك !. ألا ترى؟!.. الله لا يعطينا كلّ شيء !. يمنحنا رأس الخيط ، وما علينا إلاّ شدّه ، وشدّه ، حتى يأتي العصفور !. يجب أن نفعل شيئاً نحن أيضاً ، أليس كذلك ؟!. الآن ، أعطاك الله أن تحبّ الرسم !، فهيّا أكمل هذا الحب !. رأيت اللوحة في سوق الخميس ، واستمتعت بها ، ثم أردت شراءها ، لكن أباك أبى ، ثم طرح المسؤوليّة على أمك ، وأمك استبدلت المعنى بآخر !. وأنت ، مالك ولهذه الضجّة ؟!. اطرح كل شيء جانباً ، وضع اللّوحة في عينيك ، ثم ابدأ !. أما سمعت بقصة طفل جاءه كتاب كهديّة ، فعلّقه بحبل في السماء ، ثم راح يرتجح به !. يا لسعادة الطفل هذا !، كن مثله !، ألا تحبّ الارتجاح ؟!..

في اليوم الثاني ، رسمت طفلاً يمتطي كتاباً ، ويرتجح في السماء !.. ولكن الأرجوحة عند العجوز !.. إنها معلّقة بشجرة البرتقال !، وهي للأطفال أيضاً !. في موسم الصيف حين تثمر الشجرة ، ويزداد صخب العصافير ، نرتجح بها في قوّة ، فقانون العجوز ، إن سقط شيء بالارتجاح فهو جائزة الرّاكب !. ولكن بدون غشّ !. لمّا نضج البرتقال ، قرّر العجوز قطفه ، قبل أن يذهب للجوائز !. وطلب مساعدتي !.

نصف ساحة الدار مرصوف بالإسمنت ، ونصفه الآخر بقي تراباً على الطبيعة . فإذا سقط البرتقال على التراب لبث دون حراك ، وإذا سقط على الإسمنت تدحرج ، فلاحقه الهرّ بالوثب !..

لمّا تهاونت في الإمساك بالبرتقال ، من شغفي ، أراقب الهرّ اللّعوب ، صرخ العجوز !. من ثم جمعنا الغلال ، وارتجحت بالشجرة !.. بعدئذ رسمت ذاك المشهد !. فلمّا رأى العجوز اللوحة قال ، يالك من رسّام !، أعطني إياها !. فأعطيتها له . لقاء ذلك ، حملت لأمي كيساً من البرتقال ، كهدية !. فصنعت الشراب ، وأهدينا العجوز زجاجتين منه !.

العجوز يحبّ الكتب ، لكني أحبّ الرسم ، والرسم لا سواه !.. أخي الصّموت ، طالب الكفاءة ، جرع كأس الشراب حتى أبقى ربعه ، ثم أدلى أذنيه وخرج !. قال أخي ، شقيقه التوأم ، هكذا طلاّب الكفاءة !.. لا يليق بهم أن يجرعوا الكأس إلى آخره !.. قلت له ، آه لو كنت أعرف صاحبة الصورة الممزّقة !..

في ساحة الدار ، عند بقعة الظل ، تجالس أمي جارة تماثلها في السن . وتتحدّثان بهمس ، كأن في الأمر خطراً !. فلمّا اقتربت ، أشارت إليّ ، أن لا أقترب !. فأين أذهب ؟!..

إلى الشارع !.

رأيت ابن الجيران ، اسمه سعد ، وهو في سنّي تقريباً ، قال إنّه ذاهب إلى المسبح ، ولماذا لا أذهب معه ؟!. كنت قد قلت له مراراً ، إن أبي يرفض لي أن أذهب !. فهزّ رأسه ساخراً يقول ، دعه يسقيك الحليب إذاً !، أصبحت شاباً !..

في السنة الماضية انتشلوا غريقاً !.. ولكن ليس هذا ما يقلق أبي ، لقد تبادر إلى ذهنه ، أن بعض الأطفال قد تمّ استغلالهم جنسيّاً ، ومن ثم طوي الملفّ للأبد !، لا نعرف من الذي طواه !. واستأنف الأولاد في السباحة . من بين الأسباب أيضاً ، ثمن التذكرة !، ما يكفي العائلة خبزاً ليومين ، أو يكفي لأبي علبة السجاير !. قال أبي ، وإن لم نجد ثمن التذكرة ؟!، فماذا تفعل ؟!. طبعاً ستجد المتبرّعين !.. لقاء ماذا ؟!.

قلت له مرة ، تعال معي ، إذاً !. فقال ، بل نذهب إلى البحر ، وفتح ذراعيه أقصاهما ، هكذا البحر !.. فانتظر حتى يجتمع لنا بعض المال !..

إلام أنتظر ؟!. ما رأيته يوماً إلاّ وهو مطمور بالهمّ !.. فإلى متى انتظر ؟!، وما إن يجد حلاّ لمشكلة إلاّ وتنزل به أخرى !. فمتى نذهب إلى البحر ؟!، أمل إبليس في الجنّة ، كما تقول أمي . زد على ذلك ، فهو موهوب بوصف الصّور ، و يلهب خيالنا بالأماني ، كم مرة سمعناه يقول ، يحمل الماء الأجسام بخفّة ، وتمخر القوارب عباب البحر ، والفتيات العاريات !، يمدّ لسانه بالهمس ، من خشية أمي ، مثل عرائس البحر ، مبلّلات الشعر بالماء ، وتفوح منهن رائحة العطر !.. يخطرن جماعات ، جماعات !.. ثم يغطسن ، ويخرجن كالعرائس من جديد !.. كل ّ هذا الوصف لكي ننتظر ، ونطرح موضوع المسبح جانباً !. وما رأينا شيئاً من ذلك ، بل سمعنا ، وسمعنا !.. وحتى لا أكذب ، رأيت هذا في الأفلام والمسلسلات !.. أمّا متى نذهب إلى البحر ، أو متى يأتي البحر إلينا ؟!! ، فلا فرق بين الجملتين !.

الأفلام والمسلسلات التي نراها في التلفزيون ، لا تنال إعجاب أبي مطلقاً !.. ولا تمثيليّات الراديو ، ولا الأغاني !.. مرة ، قالت له أمي ، بربّك قل لي ، ماذا يعجبك ؟!.. فقال لها ، يا امرأة ، يا امرأة ، افهميني !. يدسّون لنا السمّ في العسل !. ثم لمّا بدأ يشدو عبد الوهاب ، قالت له ، تفضّل ، ألست تحبّ عبد الوهاب ؟! .. ثم فجأة ، وقبل نهاية الأغنية انقطعت ، وبدأ المذيع في الشعارات الملتهبة . قال لها أبي ، تفضّلي ، اسمعي أنت !..

ماذا يريد أبي أن يقول ؟!، وماذا تريد الحكومة ؟!، وكيف أفهم المسلسلات والأغاني والأفلام ؟!.. لا أعرف !. ما أعرفه هو أني أكاد أجنّ !. وما عرفت أبي إلاّ بيّاعاً للكلام ، تماماً كما يبيع البضاعة على الرّصيف ، هذا ممنوع ، وهذا ممنوع !.. فكيف لي أن أفهم الفضاء الملبّد ؟!. لا أعرف ، ولا أريد أن أعرف ، كلّ ما أعرفه هو أنّي أعيش حياة القرف والقيء !.

أخي الصّموت يسمع كلام البحر ، وعيناه جاحظتان ، سألناه رأيه فيما يقال ، فأدلى أذنيه وخرج مطرقاً !. ولمّا وضعنا المائدة ، نادينا عليه ، فلم يأت !.. مفهوم ، فهو لا يحبّ طبق اليوم !.

أمي هي التي قصمت فينا عادة الدّلال ، ما لم تستطعه مع أخي الصموت !. أفهمتنا ، أنّه لا يليق بنا ، نحن الفقراء ، التشبّث بتلك العادة ، زد على ذلك ، أنها من الصفات الكريهة !. ، فإذا لم نجد المال ، ماذا نفعل ؟!.. أمّا أخي الصّموت ، فعاملته أمي كما يجب ، منذ ذلك الوقت ، لا يجهر بما يشتهي !. ما يستطيعه وحسب ، هو أن يلوذ بالفرار !.

عائلتنا المكتظّة لا تحتوي على بنت ، ما ألحق بنا الطباع الخشنة !. لا نعرف الأنثى ، ولولا وجود أمّي لكنّا في أسوأ حال ، حتى أمي ، وهي في دور المعلّم ، لا نرى فيها الأنثى !.. الصراخ المستمرّ !.. دع هذا وافعل ذاك !. ونادراً ما تضحك ، كيف تضحك بين غلمان غلاظ ؟!. حتى إذا اضطرت ، ابتلعت الضحكة فأخفتـها !، اعتادت أمي الابتسام وحسب !. مثلها الخالد ، أر الطفل عورتك ولا تره أسنانك !. أضف إلى ذلك ، فالصبيان لا يساعدونها في أعمال البيت ، إنهم عبارة عن جملة من المطالب لا تنتهي ، ويعشقون الشارع ، حتى إنّهم يتمنّونه بيتاً لهم !. ومنه يأخذون الألفاظ البذيئة . لكن أبي يعترض ويقول ، المدرسة ليست أحسن حالاً ، ما تسمعين في الشارع ، تسمعينه في المدرسة وزيادة !. لدى أمي أمثلة حيّة ، فيقول أبي مجارياً إيّاها ، إذاً لماذا نتركهم في المدرسة ؟!. إذا كان طالب الكفاءة لا يستطيع كتابة سطر بلا أخطاء ؟!. ويقول لها أيضاً ، اسمعيهم يتحدّثون ويتعاملون ، من أين تعلّموا الخبث والكيد والنميمة ؟!. في مرة ، كانت أمي غاضبة ، وصرخت فينا أمام أبي ، واصفة إيّانا بالصحراء القاحلة !. ثم قالت ، كله منكم ، حبس الله عنا المطر ، والأسعار نار ، واللقمة التي نأكلها مغمّسة بالدماء !، رفعت يديها تجأر ، وكان كلامها المتقطّع يختلط بالبكاء . حين رأى أخي الصّموت هذا المشهد ، هزّ رأسه مراراً ، وخرج مطرقاً !. أما أخي ، شقيقه التوأم ، فهو معه على طرفي نقيض ، لا شأن له في هذه الدنيا سوى أن يرصد فيه كلّ شاردة وواردة ، لتحليل المعاني بدقّة ، فإذا لم يجد كلاماً ، أخذ حركة البؤبؤين والرموش ، مقارناً إيّاها مع اهتزاز الأصابع ، ونبض القلب !. فإذا لم يصدر شيء ، تلقّف حال رجليه ، وشكل الملابس ، كلّ هذا يعني له شيئاً ما !. إنه باختصار فرويد الجديد ، ليس كلّه ، بل أظافر أصابع قدميه ! .

وأنا مستغرق في التفكير ، أمرّر ، قلم الرصاص ، بين أصابعي ، فجأة ، انضغط القلم ، ونظرت ، فإذا هو مكسور إلى قطعتين ، كل واحدة في يد !. لا بأس ، أصبح القلم قلمين !. لم لا ؟!.. إذا ما أضعت واحداً ، وجدت آخر . قالت أمي ، إنها لا تفهم هذا الهراء !.. لا تفهم إلاّ الصّراخ ، واضطررت للخروج إلى الشارع من جديد !.

# # #

وجدت أظافري قد استطالت من جديد ، فاتخذت عادة جديدة ، كلما جلست وأبي كبّلت يديّ ، أو قلبت كفيّ بحيث تظهر الراحتان !. لكن أبي انتبه للأمر، فأخذ يتابع حركتي بإمعان، ولمّا لم يظفر بشيء قال لي ، أراك في عادة جديدة ، كمن يدعو الله ليلاً ونهاراً ، هل غزاك التصوّف على حين غرّة ؟!. أرني ظهر كفّيك !..

هذا أمر عسكريّ لا فكاك منه ! ، قمت بنفسي و أحضرت مقصّ الأظافر ، ثم أخذت أقلّم كلّ ظفر وأنظر إليه فأراه ممتعضاً زامّاً شفتيه ، وأمي تضحك خفية ، وأخي الثرثار يفتح شدقيه من العجب، وأخي الصّموت لم يعجبه المشهد ، فأدلى أذنيه وخرج !.

حمل أبي حقداً على أظافري ، منذ أن تشاجرت وابن الجيران ، سعد ، فنشبت أظافري في وجهه ، وسال الدم ، ثم جاؤوا بالشرطة لأبي ! ، وهؤلاء الأبطال ، بدل أن يبحثوا في الأسباب التي قادت إلى المشكلة ، راحوا يبحثون في شيء آخر !. على كلّ حال ، هم يتدخّلون فقط إذا تضارب الناس ، وسال بينهم الدم ، ورأوا ، بأمّ أعينهم ، اللون الأحمر القاني ، وفحصوه بالشمّ واللّحس .عندئذ ، يقرّرون القبض على الجاني . من الجاني هنا ؟!. أنا أم أبي ؟!. طردوني خارج الغرفة ، وانفردوا بأبي المسكين !. لكني قبعت خلف الباب لأرى ما عسى يلفّقون عليّ من قول !.. كان معهم أبو سعد ، ويبدو أنّه أفرغ جعبته ، وأتمّ الصفقة في المخفر، فأداروا معه للتوّ مشهداً مسرحياً بقولهم ، اسكت أنت !. من دون أن ينبس أبو سعد بحرف ! . ثم سردوا لأبي قائمة الاتهام ، اعتداء وحشيّ ، وسباب !.. وساقوا النتائج الوخيمة المتوقّعة ، التوقيف ، والمحاكم ، ثمّ الحكم !. هل تريد كلّ هذا ؟! فارتعد أبي وقال لهم ، ماذا تريدون ، أنا مستعد !. طبعاً ، إمّا الصلح ، وإمّا التّوقيف !. وطبعاً ، أيضاً ، لا صلح بدون مدفوعات !. وضع على الطاولة كلّ ما ادّخره لبضاعة الرّصيف . و كتبوا تعهّداً ، بصم عليه بالإبهام ، ثم انصرفوا ! .

بعد ذلك أقسم أبي يميناً ، طبعاً ، بعد أن وجّه لي لكمات قاضية ، وسالت الدماء ، دون مقابل ، أقسم على أنه سيكرّر لي هذا الاحتفال كلّما بزغت أظافري في الهواء الطلق ! .

# # #

أخيراً ، قطعوا عنّا الكهرباء !.

عند المساء ، خيّم على بيتنا الظلام ، ومصابيح الشارع تقذف النور ، قال أبي ، ليفعلوا ما شاء لهم الفعل ، فنحن لم نخلق وفي فمنا ضوء الكهرباء !.. ولم نفطم عليها ، وحين جاءتنا لم نعتد عليها بعد !.

صحيح ما قاله أبي ، لم نعتد عليها ، ومازلنا نرى فيها عدوّاً خفيّاً ، كالثعبان ، يلدغ من تحت التبن !. في مرة ، سمعت صراخ أمي في المطبخ ، فهرعت ، قالت ، إن تيّار الكهرباء قد صعقها !. ومرة ، وضعت يدي ، على غفلة ، فوق مأخذ الكهرباء ، فانقذفت مترين إلى الوراء !. مرّة كان حبل الغسيل مكهرباً ، فلسع أمي !.. حرق لأبي جهاز الراديو .. ومحرّك الثلاّجة .. فجّر المصابيح !..

في حارتنا امرأة ماتت كليّاً ، وهي تعمل على الغسّالة !.. وفي الشارع التالي ، ركضت مع الناس لأرى ماذا حدث ؟!.. ويا لهول ما رأيت !.. أحد عمّال الكهرباء معلّقاً بتيّار التوتّر العالي ، من الكتف ، ومدلّى الرأس ، والناس تحته ، من الخوف ، لا يأتون بحركة !.. معلّمات المدرسة ، نصبن مناحة !.. يجهشن بالبكاء ، وينظرن جهة الأخرى !.. والجثّة بلا حراك ، يصدر عنها دخان الاحتراق ! .

فماذا تركت الكهرباء لنا من فرق ، بين رجل معلّق من الرأس ، وبين آخر ، معلّق من الكتف ؟!.. ماذا ننتظر بعد ؟!. ثم ونحن ندفع الثمن ، كم انقطع التيّار ، على حين غرة ، فأهال علينا الظلام ، ساعات ، وساعات !.

كنت أرى الشمع وفيّاً أكثر ، يضيء إذا ما أردنا ، و ينطفئ إذا أردنا . أمّا أن يشعّ النور الباهر ، ونقول ، ما هذا الضياء !!. ثم فجأة يتلاشى ، أو يعمل فينا لسعاً و تخريباً وموتاً !.. أليس هذا طعناً في الظهر ، لا نملك حتى الردّ عليه ؟!.

ثم ، وللطوارئ ، جاءنا أبي بفانوس نحاسيّ ، من سوق الخميس ، وياله من فانوس سحريّ !. كم مرة أضاء ، واخترق الظلام !. صحيح ، أنّ نوره خافت ، ولكن أيّ جمال وراء هذا النور ؟!.. اليوم لا أستطيع إقناع أخوتي بسحر الجمال ، فقد حشد الثرثار أكواماً من الحجج ، حتى يسفّه قولي !. أمّا الصموت فقد سخر منا جميعاً ، وأدلى أذنيه ، ثم خرج !. وبائع الدخان قال ، أن تشعل سيجارة ، تضيء لك أكثر !. فماذا أقول له ؟!. حتى أخي الصغير، قال يسخر ، أضيء مصباح الدراجة بالدحرجة في باحة الدار ، أليس أفضل ؟!. ماذا أقول له ؟!. كان أبي الغاضب خارج الغرفة ، وإلاّ كان انفجر !.. لكني أحبّ أخي المناضل ، بائع الدخان !. وددت لو أعمل ، وأساعد أبي في شيء ما !. جعلوا مني مجرماً ، ومن المدرسة سجناً !. صرخت في أمي ، مراراً ، ما عساي أكون ؟!.. صبيّ يبيع الدخان ، يكسب أكثر من معلّم ، و ماسح الأحذية يكسب أكثر ، والشحّاذ !. وسأصرخ في كل مرة ، وأعرف العاقبة !.. ستحمل أمي العصا ، وأستعدّ للفرار ، مرة للضرب ، ومرة للتهديد !. هل هناك شيء آخر؟!.. أعرف أنّ الراحة للأغبياء !. وآه لو كنت غبياً !، لماذا السّخط إذاً ؟!.. لأني مجتهد ؟!.

جاء صراخ أمي من المطبخ ، فهرعت ، إنها فوق السقيفة ، وتبحث عن الفانوس ، قالت ، إنها سمعت حركة بين الرّكام ، لعلّه الفأر ! . فعرضت أن آتي بقطّ العجوز ، علّه يتحرّى الأمر !. فراحت تسخر مني بمرارة . وقالت ، أنا الذي أسخر منها ، ثم صاحت ، اغرب عن وجهي ، وإلاّ أسقطت على رأسك المدفأة !. قلت لها ، ذاهب ، فلا تخافي إن كان فأراً صغيراً ، أما إذا كان جرذاً ، فيا للهول !. وإذا هي قذفت نفسها من على السقيفة ، فخرجت إلى الشارع ركضاً !.

مصباح الشارع يضيء حائط البيت !. أردت قذفه بالحجر !. وولجت البيت أصرخ ، المصباح يسخر منا ، نحن لا نريد لمصباح يسخرمنّا !.. يضيء الشارع ، والعتمة في البيت ؟! ، سأكسره ! . صرخت أمام أمي ، كان أبي يرمّم مصباح النفط ، وصامتاً كليّاً ! ، فرفع رأسه وألقى عليّ نظرة ساخرة ! . أمي التي لم تفتح فاها بحرف ، راحت تبحث عن شيء ما !. فذهبت إلى الغرفة الثانية . هناك أخوتي ، هم صامتون !. وأخي الصّموت ، كدّس عليه الظلام صمتاً على صمت ، فأوقع برأسه جامداً لا يتحرك !. ثم فجأة ، نطق الثرثار :

الحمد لله ، انتهت امتحانات الكفاءة ، وإلاّ كنا انفجرنا !.

أبي يرمّم المصباح ، تساعده الشمعة !. واكتشف أخيراً أن الفتيل قد وصل النهاية !. فراح ينفث الغضب !. وقذف الشمعة إلى بعيد !. ركضت فحملتها ، ولم تنطفئ بعد . نفخت برفق ، أن انطفئي ، فخبت . ولكن ، لماذا؟!.. نحن بحاجة إليها !. فأشعلتها من جديد !.

ثم فجأة ، أخذ أبي يلغط في الكلام :” هاتوا !.. اذهب أنت .. أحضر الكمّاشة !. أنت ، أحضر السلّم !. هاتوا .. الشريط .. اللاصق، أين وضعتموه؟!.. عليكم اللعنة !. “

أحضرنا له ما أراد ، لنرى ماذا يفعل الرجل !.. صرخ فينا جميعاً اخرسوا ” . ثم وجّه الكلام إليّ خاصّة ، هل رأيت سلوك الموظّف ؟!، هكذا يعدّونكم للمستقبل !.

وشعرت بانزعاج ، من نوع التوبيخ هذا . فوثبت وثباً ، وأسندت له السلّم على الحائط ، قلت في نفسي ، ماذا أصاب الرجل ؟!. صعد إلى كهرباء الشارع، فعلّق الشريط ، وأعاد وصل التيّار، رغم قرار الحكومة !.

في الصباح ، حطّ علينا التفتيش !..

فتح أبي الباب لهم ، ونطق رئيس الدورية عبارته الشهيرة أيّها المواطن ، أنت تسرق الدولة ، أقبض عليك باسم القانون !. “

قال أبي ، نحن لا نستهلك بخمسة آلاف ، ولا بخمس مائة !.. أنتم السارقون !.

فأغلقوا فمه ، وجرّوه إلى السيّارة ، كان العجوز قد خرج على الضوضاء ، ورآنا في الصراخ جميعاً ، انهلت بقبضتيّ على مؤخرة الشرطي ّ الماسك رأس أبي ، لكنّه وجّه لي رفسة أبعدتني مترين ، فارتميت أرضاً !. ولم أجد القدرة على النهوض ، لكني رأيت ما حدث !

اعترض العجوز السيّارة ، ونقر العجلة بالعصا ، قال لهم :

اتركوا هذا الرجل !.. اتركوه .. لم نعهد به إلاّ الاستقامة !.. اتركوه .

لكن العجلة دارت بطيئاً .. بطيئاً .. إلى أن أخلى العجوز الدرب فانطلقت !.. و جاء آخذاً بيديّ للنّهوض !.

# # #

منذ أسبوعين ، يقبع أبي في سراديب السجن ، طالت أظافري في غيبته !. عندما انتبهت لها أمي قالت ، ربّما أصبت السعادة في هذه المناسبة ، والدليل على ذلك أظافري الطويلة !. وأننا سنذهب إلى زيارته ، ولسوف ترى ، هل أذهب على تلك الحال ؟!.

مضيت معها إلى العجوز ، هناك بكت أمي ، وسألته ، هل يعذّبونه ؟!. ” فخفّف العجوز عنها بقوله ، وماذا فعل ليعذبوه ؟!. هناك آلاف الناس يقبعون في السجن لمخالفات الماء والكهرباء !. فقالت أمي ، قال لهم ، أنتم السارقون !. وربّما يعملونها له سياسيّة ؟!. قال العجوز ، لا تخافي يا ابنتي .. لا تخافي !.. سيرجع إليكم ، إنشاء الله .

وطلبت أمي مساعدة العجوز في بيع الخزانة . فقال العجوز ، أقرضك بعض المال، ودعي الخزانة في البيت !.

في اليوم التالي ، رأيت العجوز هادئاً ، ناولته طبق الطعام ، وكان يقرأ في كتاب ، فألقى في حضرتي أبياتاً من الشعر ، كانت زقزقة العصافير تأتي من الشجرة ، ووجدت ثائرتي تهدأ ، بين العجوز والهرّ والعصافير . كانت تهبّ نسائم رطبة ، في ظهيرة يوم قائظ . وحين قام العجوز لصنع الشاي قلت له ، دعني أفعل . فقال ، لا ، أنت ضيفي أيها الفارس !،

ألقيت على باحة الدار نظرة .. كانت الشمس تلفح الفضاء باللهيب ، والقطّ مستلق على الأرجوحة ، يتابع العصافير في الشجرة حيثما وثبت ، ويموء بغزل رقيق متقطّع !.. تراوح الأرجوحة ما بين الشمس والظلال ، في مدّ وجزر بطيئين ، مثل هبوب النسيم ، وقراءة الشعر ، مثل عيني العجوز ، كلّما ارتفع الجفنان ، ثم تراخيا .

وأنا أرتشف الشاي ، أخبرني العجوز بأنّه رائح إلى سوق الخميس ، إن كنت راغباً باصطحابه ، ولكني أحتاج إلى الإذن من أمي !.. رجوته أن يأخذه لي ، وقال العجوز ، سأفعل !.

قال العجوز ، إنه قرّر بيع موقد النّفط القديم . حملته له وأنا أمتطي الحذاء الإيطاليّ ، فلم أشعر بثقل الموقد ، كنت أثب على الطريق !.. وأصبح في مقدوري الالتفات شمالاً ويميناً ، وإلى الوراء !..

كان علينا قطع الضاحية المقفرة . وأوضح العجوز ، بأنه يحب المشي على الأقدام ، فهل أحبّ ذلك أيضاً ؟!. فركضت مستبقاً إيّاه مسافة ، ثم ناديت ، من يحبّ المشي أكثر ؟!..

ولمّا رأيت أعرابياً مع كلب كبير ، قصرت مشيتي إلى ما وراء العجوز ، متحاشياً الكلب ، ثم درت حوله ، ومع ذلك ، ارتدّ الكلب إليّ بلسانه الأحمر المدلّى !. فقال العجوز ، لا تخف ! الحيوانات تحب الأطفال !، فتوقّفت للكلب ، ولم أخف ، حتى شمّني ، ثم واصل سيره !.

وبعد ذلك ، سدّت الآفاق شاحنة قادمة ، ملتفّة بالغبار ، وما إن عبرت ، حتى امتلأنا بالدخان والغبار ، فاشمأزّ العجوز ، وقال ، أين المفرّ ؟!. أغلق عينيك ، واحبس أنفاسك !.

تعلّمت ، من بعد ، المناورة في البحث عن الدرب النظيف ، حتى إنّي ألج المعابر القصيّة . وأستبدل ، في الطريق ، جهة بأخرى . اليوم ، أصبح الأمر شائكاً ، ويجب حين الخروج ، إعلان حال الطوارئ ، ضدّ السموم القاتلة !.

لم يستطع العجوز إبرام صفقة البيع ، جميع الباعة قال له ، لا نشتري ، حتى بائع اللوحة ، ويعرفه العجوز ، قال له ، لا أشتري !. فضرب العجوز عيناً على اللوحة ، وعيناً عليّ ثم قال ، تعال نستريح قليلاً عند صديقنا !.

أمّا أنا فجلست أمام اللوحة ، أبادل الفتاة نظرة الشرود !. وفي لحظات حميمة !، تفحّصت كيف وضعت كفّيها ، وكيف زمّت عينيها وئاماً للشفتين !.. كان العجوزان يتحدّثان ، ومن لجّة الشّرود ، انتبهت لما يقولان .

قال البائع العجوز لصاحبي ، أدخلوا بعض النسوة إلى السوق ، ومن بناية بعيدة ، صوّروا صبية يتحرّشون بهن ، ثم عرضوا الصّور ، وطلبوا منّا إخلاء السوق !.

فردّ صاحبي العجوز ، ألم توكلوا محامياً ؟!.

قال البائع ، محامي ؟!.. يا صاحبي !.. ماذا تقول ، وأنت أدرى بهذا البلد ؟!، قل لي ، اللذين خسروا أموالهم بالملايين ، لماذا لم يوكلوا محاميهم ؟!..

وألقيت نظرة أخرى على الفتاة !.. استدارت اللوحة بابتسامة جديدة !، وسقطت إصبع السبّابة على أخواتها من جديد ، والملامح أعتمت !..

كان الوقت يمضي ، عندما ربّت العجوز على رأسي إيذاناً بالمسير . . لكن انفجاراً دوّى !.. ومن آخر السوق تصاعد اللّهب !.. اقتربت النار شامخة راقصة ، واهتزّت الأرض !..

في الرّعب المباغت ، مرّر العجوز يده فوق رأسي ، صادّاً سحابة الموت !. ثم شدّها في مستوى أفقيّ ، وسمعنا صراخ الباعة ، قناني الغاز تنفجر !.. هيّا ..هيّا !.

أثناء الفرار ، جاءني ضغط قويّ ، ففقدت الوعي كليّاً .

صحوت خارج السوق !. وكان يحملني العجوز ، بين حشود الناس ، و حرارة هائلة تلفح وجوهنا !. تصايح الباعة ، وصرخ رجل منهم ، أبلغوا رجال الإطفاء !.

قال رجل آخر ، فعلنا !.

متى ؟! هناك هم !.. على بعد أمتار ! .

وانتبه العجوز إلى أني قد صحوت فقال ، هل تستطيع الوقوف على رجليك أيها الفارس ؟!. فهززت رأسي !.

ولمّا أحسست بقدميّ تلامسان الأرض ، شعرت بقوّة الانطلاق ، فاندفعت راكضاً كالسّهم في اتجاه السوق المحترق!.. لكن العجوز انطلق خلفي ، وجعل يطلق الصراخ :

الولد !.. الولد !.. امسكوه !.

رحت أصرخ ، اللوحة !.. اللوحة !.. تحترق !.. ثم أمسكوا بي!..

قال العجوز ، وتريد أن تحترق مع الّلوحة ؟!.. يالك من فارس متهوّر !.. ظللنا هكذا ساعتين ، حتى أصبح السوق رماداً . في هذه اللحظة ، حطّت سيارة الإطفاء !. وصرخ الناس :

الأنذال ، الجبناء !.

عندئذ ترك رجال الإطفاء السوق يلفظ أنفاسه الأخيرة !.. ووجّهوا مدافع المياه إلينا.

سريعاً ما تبخّر الماء عني . والعجوز بثوبه الطويل ، اضطرّ للمشي البطيء مسافة ، ثم استعاد مشيه المعتاد شيئاً فشيئاً !.

# # #

العصافير !..

ما عدت أسمع زقزقة العصافير !.. أسمع الحيّ يلوك القصّة !. وسعداً الشّامت ، والصّبية يستزيدون !.، حتى نشروا زيفاً كثيراً . لمّا اجتمعت بهم ، بدأت أعرف من هو معي ومن ضدّي !.. منذ سنوات لم تسنح الفرصة !. معهم واجهت الحكم المسبق، ونيّة الشر ، ومن ينتظر وقوع المأساة انتظاراً ، حتى يروي غليله ! كل شيء شرحه العجوز . السوء المختبئ وراء شيء لا يرام !.

قال صبيّ ، أعرف بعض الناس يسرقون الكهرباء منذ سنوات ، فقال صبيّ آخر ، دعك منهم ، ألا تعرف الناس ؟!. فقال سعد ، لماذا لا تقولان ، من الذي يسرق ؟!. هذا كذب !. ثم حمل حجراً قذف به هرّاً يمشي على السور ، فصرخ الهرّ ، وسقط وراء الجدار !.

اقتربت من هذا السعد ، فطوّقت عنقه بأظافري :

لماذا تضرب القط ّ ؟!.

وما شأنك ، هل هو قطّكم ؟!.

ليس قطنا ، ولكن أجبني ، لماذا تضرب القطّ ؟!.

لا شأن لك !.

وغرست أظافري !.. لكنّه استغاث بالصبية فأغاثوه ، ولم تطله سوى خمشة واحدة ، بعد ذلك راح يطوف على الصبية ، بالهمس واستراق النظر ، فاقتربت أسأل ، ماذا يقول ؟!. عندئذ أقسم الصبية ، بأنه يقول خيراً !.

ظللت أرنو إليه بازورار ، حتى أدار ظهره ومضى !.

ما عدت أسمع زقزقة العصافير !..

ولا أرغب في الاجتماع بالصبية ، حلّ الوجوم في بيتنا ، وأصبح أخوتي صامتين كلهم . أمي لا تتحدّث إلاّ مع جارتها . ذات مساء ، حاولت العبث لأنشر شيئاً من المرح ، لكن أمي وجّهت إليّ ذات التّهمة ، دليلها أظافري الطويلة ، والمرح المفاجئ المشبوه !. لو أن أخي الصموت قال هذا لنشبت أظافري في وجهه ، أو قاله أخي الثرثار ، أو المناضل ، أو راكب الدراجة !. ولكن ما عسى أفعل بأمي ؟!.. لاشيء !. حسناً ، وانكببت معهم في الوجوم !.

دعيني أعمل مع أخي ؟!.

لا !..

لماذا ؟!..

القرار لأبيك !.

أعرف .. القرار له ، وهو في السجن !.. سجنوا معه القرار !.

ما عدت أسمع زقزقة العصافير !..

وأفكّر في كلمات العجوز ، فينصبّ انتباهي أكثر على حيّنا البائس يطفح بالزبالة والإهمال !.. الحاوية التي فيه لجمع القمامة ، فجأة ، وتختفي !. الطرقات ، ما إن تسوّى حفرة ، حتى وتنشأ حفرة أخرى ، مليئة الزبالة صيفاً ، والمياه الآسنة شتاءً !.. الأمطار التي تغرس أظافرها في سقوف بيوتنا ، لتهطل فوقنا ماءً ورطوبة !.. جانب الطريق الذي أودى بالشاحنة في الهاوية ، ويهدّد المراكب والأطفال من جانب آخر !. الأوساخ التي طمرت الأحياء ، والأموات والبلاد جميعاً !..

ما عدت أسمع زقزقة العصافير !..

ليس إلاّ صفير مربّي الطيور!.. وقطع الأخشاب ، والحجارة ، والأوساخ المقذوفة من فوقنا ، ومن تحتنا !.. وإذا ما أحدنا ذهب إلى الشرطة ، سيسخرون منه ، تريد أن نجمع لك مربّي الطيور ؟!. كلهم !. من أنت ؟!. وأين عساك تعيش ؟!. ” . فتلعق جراحك ، وتبتلع المهانة !. وتخرس !.

قال العجوز ، كلّ شيء تعرفه الحكومة !.. وكل شيء سيّئ يستمرّ ، تريد له أن يستمرّ!. كل شيء بإذنها !.

أين العصافير ؟!.. ما عدت أسمعها !..

صعدت إلى أعلى الجبل .. باحثاً عن واحد يشدو ، عن كلب ينبح ، وهرّ يموء !.. كلّها توارى عن قيظ الظهيرة !..

هنا أصبحت للشمس أقرب ، وللسماء !.. أشير للريح !. ثمّ ألوي فتلوي !. تحتي المدينة البائسة !. كل المدينة !..مثل طبق اجتمعت !.. طبق الحكومة المفضّل ، فيه أشكال الحلوى وفيه الزبالة !. هو ما تهوى !.

تمزج العجلة الجمال بالبشاعة ، ويصدر الخليط ، عنف وظلم ومهانة !.، قال العجوز ! .

ضربت بقدمي الأرض حتى أثرت الغبار !.. وهبّت الريح صانعة سحابة فوق القمّة !. من ثم هويت على السّفح راكضاً في أقصى سرعة ، أنبش التراب ، والحجارة ، في وجه الشمس والريح ، وأصرخ :

سأبصق شمالاً ويميناً !..

باسم القانون !.. وما يجري !..

ماذا يعني ؟!..

ماذا تعني العصافير التي تغرّد على أغصان الشجر ؟!..

هيا.. طيريطيريطيري !.

ما تريد الكلاب النابحة في الليل والنهار ؟!..

اخسئي !..

ماذا يغنّي المطربون ؟!.. اصمتوا .. أرجوكم ! .

ما يقول الشعراء ؟! .. آسفون ، لا نفهمكم !.

والخطباء ؟!.. بخ ..بخ !..

ولماذا أبي يصرخ ؟!.. أنا لست مجرماً !..

أنت في السجن !.. فادع من يفكّ أسرك !..

أما أنا !..

سأبصق شمالاً ويميناً !..

وحالما ترجع ، سنبدأ باتفاق جديد !..

أولاً ، نترك المدرسة .

وثانياً ، نعمل !.

وثالثاً ، تستطيل أظافري !.

فهل هذا يعجبك ؟!..

وصلت بيت العجوز وأنا أجهش بالبكاء !.. فهبّ مخفّفاً عني :

يا عزيزي ، الصغير !.. كفّ عن البكاء ، حسبتك رجلاً !.، لا تبك !. سيرجع أبوك لا محالة !. ولحظة !.. سأقرأ لك أشعاراً للأطفال ، عندي منها الشيء الكثير !.. ولكن عليك أن تطمئن أولاً ، وتفرح ، وترسم ، أليس كذلك ؟!.. أما مسكت رأس الخيط ؟!.. فهيّا شدّه !.. شدّه وارسم .. شدّه حتى يأتيك العصفور !.

والآن ، تعال معي !.

شدّني إلى ساحة الدار ، هناك حطّني في الأرجوحة ، ثم راح يدفع المركبة كلّما عادت إليه !.. كان القط يثب من ورائي ، جيئة وذهاباً ، ومن فوقي ، تهطل زقزقة العصافير !.. يحرّك الهواء رائحة العطر .. وأطوي المسافة شرقاً وغرباً .

ـ انتهت ـ

دمشق في/6.29 . 2001

(حوارية أحادية الصوت)

وصايا لولد

-1-

تعال ياولد !.. أراك تبكي!,
هات يدك كي نجول في زواريب المدينة, سأريك ما لم تر، لا تبتئس!.. سنلهو, ونضرب في السراب, ونشرب القهوة!.
رح الآن اشتر لي علبة تبغ!. إيّاك أن تقول لابنك, ذات يوم, اشتر لي علبة تبغ!..
تعال نقتعد في المقهى!..
هات لنا الصحيفة, وافتح على الحروف المتقاطعة, أبعد تلك الكلمة اللعينة عن خانة العهر!.
انظر هناك عين الحارس البللورية!.. أين الفوارق في مشهد الرسم؟!..
اقلب الصفحة، إلى زاوية البريد!..
والآن, اقذف الجريدة في الزّبالة!..
هات الشطرنج, ودعن أدخّن قليلاً.. إياك أن تدخّن يوماً ما, وتقول لابنك اشتر لي علبة تبغ!..
أطلق الحصان في الميمنة!.. اسحبه في الميسرة!.. قدّم الفيل!.. اترك شأن الملك, حرّك الحصان!.. قلت لك, الحصان!.
لا تراجع في الميمنة. احذر الميسرة!.. يخاتل الشيطان من خلفك!..
خذ الجنديّ هناك, حاصر الفيل!..
احذر الشيطان, صار عن يمينك!.. وثب فوق!.. هبط تحت!.. احذره هنا!.. أبعده هناك!.

-2-

يا لك من ولد طائش !..
قلت لك ألف مرة, طلّق الكرة اللعينة قليلاً, وافتح الكتاب والدفتر!.. أما تعتبر كلامي يا ولد؟!.. أرني ركبتك الدامية.. ورأسك المورّم!.. أما زلت تعرج؟!.. زيّن لك الشيطان الأفاعيل!.. تبّاً له.. تبّاً لك!.
ونسيت الذهاب إلى جدّك!, فمن يعطيه الدواء؟!..
هل أريت المعلّم ما كتبت له؟!.. لا تجب فأنت لم تفعل!. كذلك نسيت أن اليوم يوم الجمعة, فلم تحمل الورد إلى المقبرة!.. يا لخيبة الأمّ والجدّة فيك!.. أهكذا؟!.. أهكذا تفعل من بعدي؟!.. يا لخيبتي فيك!.. ماعساي أفعل بك؟!..
أكاد أجنّ من طيشك!.. أكاد أختنق!..
أكاد أنقضّ على الدركيّ حتى آكل لحمه!.. لحمي أكله الهزال، منك ومن الدركيّ!..
دمي ينضب!.. وأنت الراكض وراء الكرة!.. تلعب.. وتلعب، فلا تتعب!.

- 3 -

أيها المخبول!..
ماذا قلت لك؟!.. وما تقول؟!… لا تفتح فمك!.. لا تردّ في وجهي!.. ما زلت لا تجيد حتى تنظيف إستك!.. ولاتعرف أيّ شيء!. تأنف من كلامي، وتأنف من كلام جدّك!.. كأنك أنت جدّه!.. وأنت، أنت.. مازلت لا تفقه ما تسمع, ولا ما ترى!..
نعم.. أنت لا تفهم!.. وإن أرسلتك في شراء قلم, شريت لي علكة, لتدسّها في فمك الواسع الضخم وتجترّ!..
تشاهد التلفاز لساعات وساعات!.. بفم مفتوح, وتجترّ!.. ساعات وساعات!.. سأكسر التلفاز كي تستريح!.. هل يعجبك؟!..
قل لي إذاً, ما يعني الفيلم الذي شاهدت؟!.. طبعاً لا تعرف!. وماذا وراء الإعلان الذي رقموه في عينيك؟!.. طبعاً لا تعرف!.. كالأصمّ الأبكم!.. لا سمع, ولا طاعة!.
هل أخطأت يوم أنجبتك يا ولد؟!.. هل اقترفت جريمةً؟!.. إذاً، تعال حاسبني!.. أكاد أجنّ منك، ومن شكلك!..
كأنك أنت المدير الصفيق أمامي، ساعة النحس!.. وقلبت في وجهك الطاولة!.. هل رأيته في حياتك مرةً يا ولد؟!.. مثله تماماً, خصمان لئيمان!.
أنتما خصمان!.. يا سعدان!..

- 4 –

وهذا المدير الأجرب لا أحبه!.. لا أحبّ وجهه!.. الكاذب المنافق!.

لا أحبّ ربه!..
كلما استدعيت إليه, وجدت يديه تلعبان في هواتف عشرة!.. من واحد لآخر، كلاعب الكشتبان* الغشّاش، على قارعة الرصيف!.. يصرخ في واحدٍ, ويضحك في آخر!.. يئنّ لهذا, ويفحّ لذاك, يخور كالثور!.. يشرّع لك فكّيه كالتمساحٍ، كالمغارة!. وفجأة، يزأر زئير وحشٍٍ كاسر!.. ويرفع سماعة أخرى، ليأخذ راحةً!.. هنا، عليه أن يموء!.. ثم أخرى ليجعر، ويجعر!.. وأنا المنتظر، أنتظر!.. فلا يشفق على سنّي, وكأني استدعيت لحضور مسرحيةٍ فاجرة!.
يخاطب الموظفين كأنهم أغبياء حمقى, أو خدم عبيد!.. وينفث السمّ الزعاف، ويلوي!.. في كلّ اتجاه!.
لا أحبه!.. لا أحبّ وجهه. هل تفهم ما أقول؟!.. دسّ السمّ في جسمي، وأنا أعاني!.. هل تفهم ما أعاني يا ولد؟!, وكم أنا بائس معذب؟!..
اهترأ جلد الكرسيّ تحت إسته ألف مرة, كأنّ منفاخ النار فيه, ولم يغادر. اهترأ جلده!, تجعّد!.. ترهّل!.. ارتسمت عليه شعاب خطوط شمطاء داكنةٍ مزرقّةٍ مقرفةٍ!. رأيته في حمام السوق, يوم زفّ ابنه**. كان يصوي!.. ويصوي!.. ولا نعرف, هل يهلّل, أم يولول؟!.. ولم يغادر!.
انتفخ حتى صار كالبرميل، كالبالون، من اللحم والشحم، لا فرق عنده، لحم الإنسان والحيوان!.. ولم يغادر!.. قال، إذا أحبّني الناس فما ذنبي؟!.. وكأنه يقول، يحبّ الناس المجرمين، واللصوص، ومصّاصي الدماء؟!..

أخيراً ملّ الكرسيّ من تحته، فانكسر, وسقط كي تندقّ عنقه!.
ومازال السمّ في جسمي، يسحق لحمي وعظمي!.. فلا رحمة الله عليه, عليه اللعنة!.

- 5 -

اصعد الحافلة قبلي!.. واقطع بطاقتين!..
أخبر السائق أين نهبط!.
الجوّ خانق افتح النافذة!.. دع عنك غزل الفتاة!.. يا ولد!..
اخفض ركبتيك عن ظهر الكرسيّ.. رتّب ياقة القميص.. اعقد رباط الحذاء.. واثبت، سيضغط السائق المكابح!.
عينيك للأمام!.. هل تلتفت مع كل امرأة تمرّ يا ولد؟!.. وأنا معك؟!. ويحك!.
اترك العلكة، أو أزرعها لك في شعرك!.. لا تنقر الأرض بقدمك!..
كفاك تمعن في اللافتات يا ولد!.. أما أتقنت الكذب والنفاق بعد؟!.. كم مرةً تردّدون الشّعار في المدرسة، كل يوم؟!.. أما يكفي, ألا يكفي، يا ولد؟!..
هيا وصلنا!.. جاهز أنت؟!.. ناد على السائق، حتى يقف!.
والآن, قدني صوب البائع الذي غشّك!.. جاهز أنت للنزال؟!.. أنهض سروالك جيداً, واستعدّ!.

- 6 -

تمهّل!.. لا تقطع الطريق!. ألا ترى الحشر الزاحف ياولد؟!.. لنسمع موسيقى الأبواق اللعينة، ونشمّ رائحة العطر الأسود، ما تجود به مؤخّرات المراكب المهترئة القذرة!.

ها هو سور دمشق المحروسة!.. انظر!.. ماذا بقي منه؟!.. بضع أحجار ٍتتهاوى!. ستهبط فوق رؤوسنا يوماً ما، وننتهي!.

انظر هناك!.. أيها الأرعن!.. ماذا تقول اليافطة؟!.. والصورة من تشبه؟!..هذي صورتك!.

فصرخ الطفل ملء فمه :

- لا..ا..ا..ا..ا..!.

- انتهى-

*( الكشتبان):

اسم أعجميّ , يعني: القبعة المعدنية الصغيرة, توضع في رأس الأصبع حين الخياطة, لتدفع الإبرة في الشيء المخيط. وقد اشتهر بعض المحتالين باللعب في عدد منها على أرصفة الشارع. يخفون تحت واحدة حبة صغيرة، يحركونها بين الأخريات في خفة، لخداع اللاعبين، والرّهان على مكان وجودها، للربح المحتمل!.


**
عادة تقليديّة, مازالت تجري في بعض البلدان, تقضي بأن يدعو العريس وأهله الأصدقاء والأقرباء من الرجال, للاستحمام والعناية بالعريس, في حمّام السوق الشعبي, ليلة الزفاف!.

الكاتب والرسام :
-
من الجنسية العربية السورية: مواليد: حلب 1957, إجازة في الأدب العربي.
-
مخطوطات أدبية: في الرواية والقصة القصيرة والشعر والترجمة.
-
معارض رسم: في حلب 1998، ودمشق: (المركز الثقافي الإسباني)، و(المركز الثقافي الأمريكي). وفي بيروت: (المعرض الدولي للكتاب: جناح منظمة العفو الدولية, الأمنيستي). ومعرض في باريس: 2007.

عمّان،

نص منقح: في 3/11/2008- معدّل 2-6-2010


الهزيل

أنزل العابر رجلاً تحت رصيف الشارع، ثم أعادها. الشارة الخضراء لم تضئ بعد. لما أضاءت اندفع بحشد المارة. وفي اللحظة، انزلق الحذاء من رجله، ما اضطرّه للوقوف في وجه التيار، حتى انقشع المشهد، وطارد النعل تحت قرع الزمامير، بين جحافل سياراتٍ منطلقة!.

وبعد انتظارٍ طويلٍ، استقلّ الحافلة المزدحمة واقفاً. فعلّق يداً بالقضيب المثبت خلال السّقف, حيث افترش دخان السجائر. والأيدي المعلّقة، الماسكة لفائف التبغ، تنقل الجمر إلى الأفواه خطفاً، فتمدّ السحاب بمدد جديد. انحنى الرجل قليلاً تحاشياً للسحب!. لكنه ظلّ صاعداً هابطاً، كون الحافلة تعبر فوق الحفر!.

أمام باب البيت..

أدار المفتاح بشيء من الجهد!. واخترق الممرّ..

كان الضجيج، والمرأة الحامل تخطر ميّالةً في مشية البطة, دون اكتراث به أبداً. مازالت تواصل الصراخ بالأطفال!.. فدخل غرفة النوم وأغلق الباب جيداً. عندئذ, عبرت رأسه الخواطر.. كم أصاب الترهّل المرأة؟!.. وكم فعل الزمن فعله؟!.. مع ذلك، تمضي السنون الهوجاء كلحظة!.. فيا للزمن الرديء!.. استسلم لتلك الأفكار! ..

كم مضى، ليجد أمامه هذا الحشد من أطفال؟!.. كموجٍ شرهٍ، مشرّع الأشداق، والعيون والآذان، على عالم يغصّ بالدسائس؟!..

في خضمّ استغراقٍ مستعرٍ في التفكير، نسي بطنه الجائعة، فأطلق صوتاً غريزياً:

- دليلة!.. أنا جائع !..

جاءت تنظر شزراً:

- لا شيء!.. كنت منشغلة!.. اقل لك بيضتين..

لبث هنيهةً ينظر في فراغ!.. فآثر الصمت, وقام يجرّ رجليه إلى المطبخ، هنا، فوق المقلاة، طرق بيضة بأخرى، ومالبث أن ابتلعهما سريعاً!..

مازال شارداًً يفكر!..

هزّ رأسه في مرارة!.. إلى من عساه يشكو؟!.. ومنذا الذي يسمع له شكوى؟!..

تقدّم صوب النافذة، فألقى رأسه خارجاً, وحدّق في عابري الطريق!.. هناك، رجل كفيف، وسط الزّحام، يقوده طفل، ويطرق الكفيف بالعكاز حافّة الرصيف فيما يتمتم بالأدعية، يخطو ببطءٍ ليس بالقدر الذي يشدّ به الطفل!..

أبعد عينيه جهة أخرى، ثم عاد وحطّ ثانية على الكفيف، لحظة صرخ في الطفل، بسبب السرعة. عندها، قاس الطفل خطاه بخطى الكفيف، وواصل الكفيف التلاوة!..

عاد وأغلق الباب مانعاً ضوضاء الشجار المنبعث, ثم همّ بالنوم، فأبت عيناه ذاك، ظلّتا تحدّقان في السّقف!.. حيث مرّت الرطوبة قشراً بالدّهان، تاركةً خريطةً متراميةً مبعثرة!..

للتوّ!.. اقتحمت دليلة الغرفة, وطلبت منه التدخّل في شجار الأطفال، كان في نصف إغفاءة، فأغلق عينيه كليّاً، ثم سمع كيف طرقت مصراع الباب قويّاًًً، وأصدرت دويّاً هائلاً!..

وسقط في النوم!..

مالبث أن توقّف عن الشخير، لحظة شعر بارتجاج السرير!.. هذي دليلة!.. انطمرت تحت الغطاء مانحة له الظهر. دون أن يحترك، عقد كفّيه في هدوء، واستعاد صور ماضٍ حميم!.. كان على وشك الزواج من صديقة جميلة. لقد انتهى بها المطاف بائعة للهوى!. قرّر للتوّ زيارة تلك الصديقة غداًة غدٍ!.. وهزّ رأسه للفكرة، ثم سقط في النوم من جديد

سدّت جحافل قافلةٍ هوجاء خطّ الأفق، والخيول الجامحة في عاصفةٍ الغبار، تجرّ عربات الفرسان في عنف، وتبدو ضاحكة، لوجود اللّجام بين فكّيها. يزعق الفرسان وقوفاً، في صدور متقدّمة, وفي أيديهم سياط تلوي راسمةً في الهواء دوائر، لتهوي على مؤخّرات الخيل, فتخبّ الخيل هدّارةً في أقصى سرعة!.. وإذا الكفيف هنا، هلعاً مذعوراً وسط المعمعة، يلوي على جنبيه ملتمساًً سبيل النجاة. فلا يعبر لحظة آمنة إلاّ وينزل به الخطر!.. لا يكترث الفرسان به مطلقاً، ويصرخ دون جدوى!. ثم اشرأبّت هامة الحصان فجأة، ليسقط الكفيف تحت الحوافر مطلقاً صرخةًً عظيمةً!..

نهض مرتعداً، فوجد فمه المفتوح يصرخ، ويداه في الهواء!.

فتململت المرأة وهي تغمغم:

- ماذا بك ؟!..

- لا شيء!.. مجرّد حلم!..

نهض وجرع ماءاً. وجد الليل قد جاوز نصفه. فتقدّم صوب النافذة، وألقى عيناً إلى الشارع!.. يلفّ ظلام دامس الحيّ كله. المصابيح المعلّقة على أعمدة متباعدة، ترسل الأضواء بالكاد ضعيفةً باهتةً, ما يغطي بضعة أمتار وحسب!. أصاخ السمع لصوتٍ يأتي من بعيد، ثم لصوتٍ لآخر!.. رجلان مخموران يتبادلان هتافاتٍ عابثةً, لا أثر لهما في الدُّجى:

- يا..دامي العينين.. والشفتين!.. *

وسكت، فجاء الصوت الآخر:

- إن الليل.. زائلُ!..*

- رحمة الله عليك!.. عليك اللعنة!.

- إن الليل.. مائلُ!..

عاد الصوت الأول ولعلع في قوة:

- وإنّ النّهار أظلم!..

أصاخ لصوتٍ غافٍ في الخيال!.. تلك الأشعار يعرفها!.. مازال صداها في سمعه!.. فابتعد قليلاً ليطرق مصراع النافذة، وبخطى راجعة استعاد مكانه، ليسقط في النوم من جديد!..

* * *

صباحاً !..

ولج المكتب منهكاً، وبعثر الأوراق. فكّر في قرار الليلة الفائتة، فلم يجد رغبةً ما في النكوص عنه. وأطلق لنفسه الخيال!..

سيحمل معه زجاجة كبيرة, وعلبة حلوى, وهدية!.

وكونه يعرف المرأة, وكيف سقطت في أحضان الشيطان, يجب التأنّي لها في اختيار الكلام، دون مواعظ, أو حكمٍ!، يعرف الأحداث التي عصفت, وكفى!. ربما يسأل عن أخبارها, ويدلي بأخباره اختصاراً. سيلمّح إلى علاقةٍ جديدةٍ محتملةٍ, فإذا ما ألمحت إلى زوجه, سوف يتضاحك قائلاً، لا تهتمي، عندها من العلف ما يكفي!.. والمشكلة، أنه ارتكب خطأاً كبيراًًً، يوم انجرف وراء امرأة لا همّ لها سوى القعود فوق كومة البيض والتفريخ!.. نعم!.. وهكذا، بكلّ ببساطة، انتهى محاصراً بجيش من أشقياء!..

حرّك رأسه بأسىً, ربما يكون في الأمر إساءة، فالمرأة، تدافع عن المرأة، مهما حدث. وعندها، يكون في واحدة، ليصبح في اثنتين!. فكّر في ذاك الكفيف!، كيف توقف عن التمتمة في عرض الشارع، ليصرخ بالطفل كونه زاد السرعة قليلاً!.، ربما كان الكفيف أفضل حالاً منه!. وهنا، تكمن عين المأساة!..

أمسك عن التفكير, ورفع سماعة الهاتف، فحشر فيها كلمةً واحدة:

- قهوة !..

والتفت إلى ركنٍ خفيٍّ، فأخرج رزمة صور عارية، راح ينعم فيها النظر!..لكنه سمع للتوّ نقراً على الباب, فأخفى الرّزمة حالاً.

دخلت امرأة في الأربعين، تبسط له الأوراق وتنتحب:

- أرجوك يا سيدي!.. أوراق .. وأوراق .. وأوراق!.. انظر!.. متى تعطون الأيتام حقّ أبيهم؟!..

رنا إليها مليّاً، وفكّر، هل تخفي المرأة الحزن حقاً في قرارة نفسها؟!.. بعين فاحصة قدّر هذا، وذهب به الخيال إلى زوجه!.. لا شبه بينهما. فقدّم لها القهوة, وجاس على شاربيه فيما يفحص الأوراق!.. خطرت له فكرة، لا شكّ أنّ المرأة مستقيمة، فما تبحث عنه شيء بخس لا يكفي لمسح حذاء!.

- وماعساك تفعلين بهذا المبلغ يا امرأة؟!..

- أسألك بدوري يا سيدي، ما عسانا نفعل؟!.

رصّع الأوراق بخاتمٍ أحمر، وشيّع المرأة، فيما تغادر، حتى الباب!.

وعاد إلى الصور العارية..

لبث مليّاً عند واحدة، ثمّ راح يخاطب الصورة بصوتٍ هامسٍ:

أنت!.. ربة الجمال!..

يا للصدر.. والفخذين!.. والشعر الكستنائيّ المنفوش!.. آهٍ!.. أنت أجمل!، أجمل منّا جميعاًًً, وأشرف, وأكثر براءةً, وأطهر!.. هكذا، شفّافة دون قناع!.. مثل كريستال نقيّ!.. مثل قطر الندى!. أتعرفين؟!.. شيء ما فيك أحسن منّا جميعاً!..

وانخفض صوته:

هل قتلت؟!، هل سرقت؟!، هل حرقت الأخضر واليابس؟!.. أبداً!.. إذاً، أنت أجمل، وأشرف، وأشهى!..

وعاد إلى همّه!..

يا لرحلةٍ طويلةٍ!.. ودون كيشوت، ذاك الفارس المرصّع في نصوص التاريخ, على صهوة الحصان، يخفق بالسيف عالياً في الهواء، ثم يعتلي الناصية، ليلقي خطبةً عصماء!.. يمرّ لمحاً برجل خائر، فيقف، وجهاً لوجه أمامه, يمدّ له يداً للمصافحة, ويعقدان عهداً أبديّاً. يقول له الخائر, أيهذا الفارس الرمز، هات اهدني صورةً موقّعة. لا تبتئس!. نعم, لقد قطعنا الدرب، وفي صدرنا الأمل, أفإن خارت بنا القوى، وكبا الحصان!.. لا همّ إن حدث ذاك فوق الجليد, أو في فيافي الصحراء, فالنتيجة واحدة. لا تبتئس، ولا تضحك!.. سنقصد، بعد قليلٍ، بائعة الهوى, لنرى ما يمكن لنا فعله!..

ألقى نظرةً، فوجد عقارب الساعة تدور بسرعة. لقد انتهى الدوام!.

حمل على نفسه متقدّماً بخطىً بطيئةٍ في اتجاه المخرج . وجد الحارس يهمّ بقفل الباب الحديدي!..

قال الحارس :

-أما زلت هنا ؟!.. يا الله !.. اعذرني !.

* * *

ضوء شمس الأصيل باهر!.. رفع الصحيفة دريئةً لعينيه, وتشمّم هواءً رطباً طازجاً!.. على الرصيف، رفع قدمه لماسح الأحذية، وهمّ بقراءة الخبر، “مسابقة ملكات الجمال”!.. هذا هو الموضوع الأنسب للثرثرة مع بائعات الهوى!..

اجتمع أطفال غجر من حوله، يطلبون حسنةً!.. ملكات الجمال!.. موضوع الحديث.. للثرثرة.. والغجر؟!.. حرّك الصحيفة بنزقٍ. إنه منشغل، يقرأ وثباً فوق الجمل، ولا من يحزنون!.

في اتجاه الهدف!..

تقدّم مجدّفاً في الأزقّة القديمة، فانعطف بالكاد مع الزوايا، وتوازى بالأرصفة، حيث أعناق المحالّ والمباني وثّابة في تقدّم وتأخّر دواليك!. والمارّة في موج دافق، وجوهُ شاحبة, وشوارب فخمة, نسوةٍ متبرجات، أخريات محجبات، وينطلق العطر!.. واحد بكومة شعر في وجهه، وأخرى بعيون حوراء لاسعة. أمعن في شفتين مكتنزتين تصدران الدلال، فمالتا مع الوجه الملويّ، وعينا رفيقها الرجل تطلقان نظرةً ثاقبة مسلّحة!.. ثم تسلّلت من ورائه ضحكة شاهقة!.

أخيراً، وقف قبالة الباب، وأوتر السبابة، كي يضغط على زرّ الجرس .

هي ذاتها.. تصرّ عينيها في دهشة!. فتملّى الوجه المليح محاولاً الابتسام, لقد ازدادت جمالاً!. صار لها صوت رخيم، في بحّة موسيقيّة!..

- تفضّل!..

فقرّر الكلام وقال:

- أصبحت فاتنة!..

- ميرسي!..

عابراً ببطء فوق سجّادة عجميّة، مروراً بحائط مزدحم ، ولوحات الرسم، فلبث هنيهةً، وألقى في سرّه أسئلة لم يكشف النقاب عنها، يا ترى هذه اللوحة أصلية أم مزوّرة؟!.. والسجادة الباهرة، كم لها من عمر، وقيمة!.. صورة الطفلة فوق الطاولة، من هي؟!.. والخزانة المرصّعة بالنقش!، هذا طلاء الذهب، أم الذهب؟!..

بحذرٍ تساءل، أيّ أخرق يطرح مثل تلك الأسئلة!.. في هذه المناسبة بالذات، وعلى امرأة منكوبة؟!.. منكوبة؟!، وعندها مال قارون؟!.. ولكن، يا عزيزي الزائر!.. اسكت، واخرس!.. نعم منكوبة!. بالله عليك، ألا تبدو كريهاً، أمام نفسك، كمحققٍ سريٍّ، يطرح أسئلة فظيعة؟!.. إذاً، لم يعد إلاّ أن تسأل، كم تملكين من ثروة؟!.. أفلا تخجل؟!. وافترض أنك تشدّقت بما في صدرك، ألا تحصر المرأة في خانة ال “يك” كما لو أنها متهمة، في جريمة؟!، حتى وإن أجابت عمّا أردت، هل ستحتفظ باحترامها لك؟!.. أو باحترامك لنفسك؟!..

فجاة، جاء صوتها المنغّم من المطبخ:

- هل أعجبك بيتي؟!..

لم يجب. وعاد بالتقريع إلى نفسه!..

تفضّل!.. ألا تستفزّك؟!، لتطرح بدورك أسئلة مستفزّة؟!.. إذاً، من منّا الدنيء؟!.. بل كفى!.. وأجبها, بعيداً عن الدناءة!.. هل تخرج عن طورك؟!.. تبحث عن التكافؤ في الدناءة!.. العين بالعين، والسن السن؟!..

انتهى!.. سيكون الردّ متأخراً!، وأنت.. كأبله، حتى وإن نطقت جوهرة!، فاسكت!.

ألقى بعينيه إلى الشاشة!.. حيث يدور فيلم عاطفيّ.. واختار مكاناً للجلوس.

ثم لوى إلى الوراء قليلاً، فوقعت عيناه جانب السرير، حيث قطعة من لباس داخليّ مرميّة, هنا، راوده الشكّ!.. بحركة مستفزّة حمل القطعة بالسبّابة، وأدناها إلى أنفه, من ثم ألقاها، وعاد يرنو إلى الفيلم من جديد!..

لحظة عادت المرأة بخفٍّ حريريٍّ كاتمٍ للصوت، فوق السّجّادة العجميّة، كان الفيلم يكشف عن مشهد فاضح!.

قال لها:

- ما هذه الأفلام؟!..

- تساعدني على الفريسة ياصاحبي!..

هزّ رأسه، وألقى إلى الفيلم نظرة أخرى!.. لم ير مثل هذا أبداً!.. لكن المرأة انفجرت ضاحكة وقالت:

- تزيدنا خبرة!..

هزّ رأسه، ونبس بشيء ما، من رأس شفتيه. لم تفهم المرأة، وابتسمت في طريقها إلى المطبخ. فوجد فرصةً أخرى، وحمل قطعة الحرير، للفحص ثانيةً، فلم يكتشف أثراً أو رائحة. وأعادها مكانها.

سلّة الفاكهة، والزجاجة الحمراء، والمرأة الباهرة!..

ألقى عليه الفيلم بريق الشبق، ملتزماً قلّة الكلام، وانتبه لكأسٍ مرفوعةٍ إليه، فأخذ جرعةً كبيرة, ثم حرّر يده كي تستقبل قطعة تفاح مقشّر، بسرعةٍ لاكها، ثم ابتلعها. وصارت أمامه الحيطان ترتجح ثملى!..

قالت له:

- حدثني عنك!.. كيف الحال؟!

وثبت أصابعه إلى الشّاربين لاغطاً في كلامٍ غير مفهوم!.. فانتبه لذلك، وعاد ينطق جملةً ما محاولاً الشرح. أخيراً، لفظ جملة تامّة:

- لقد سقطنا!.. فاسألي عن شيء آخر.

انفجرت المرأة ضاحكةً، وأشارت إلى مشهد في الفيلم، ما استفزّه، فقال لها:

- أصبحت عاهرة!..

- وأنت.. ماذا أصبحت؟!..

عاد وانتبه!..

لا انفعال!.. أما التزمت بهذا؟!. ما عليك الآن إلاّ أن تستعد للرحلة!..

أرسل بضع أصابع إلى أزرار القميص, لكنها راحت إلى المنخار تحكّه، والكفّ إلى ربطة العنق, فانهمكت تبعثر له الشعر!..

وهمد لحظة، ثم أمال رأسه في جهة, والرجلين في أخرى. وراح يقصّ لها كيف قضى ليلة ليلاء. وهذا، دون شك، ترك الأثر السيّئ. ثمّ صمت، فجأة، مستغرقاً في التفكير!..

تناقض نقيض غريب!.. شغف وفشل!.. ما هذا؟!.. فبصق على عضوِ نائم، وقام يريد الانصراف!.

قالت له:

- أنت لست سعيداً!..

- ربّما!..

- كيف حال الستّ؟!..

- هدّدتني بالحبس: افتح عينيك وانتبه!.. استدعيت الشرطة مرتين, وقالوا لك, انتبه!.. أو ترى ما لا يسرّك أبداً!.. وكأنني لم أر بعد!. هذي هي الست، تفضلي!.. دافعي عنها!..

- يا الله!.. أصبحت هزيلاً!..

تقمّص البذلة العصرية كيفما اتفق, وألقى جملةً ساخرة:

- لو كان لي سيفان.. أهوي بهما في الهواء، وأنتضي الناصية، لألقي خطاباً!. لكنت في حالٍ أفضل!.

ونبس لها وداعاً من رأس شفتيه، ثم مضى!..

* * *

في اتجاه بيت أخيه..

اجتاز أزقّةًً قديمةً مروراً بالساحة الصغيرة، هنا، يلعب الصبيان بالكرة ويصرخون!. فجعل يلوي شمالاً ويميناً، تحاشياًً لركلةٍ طائشةٍ!، وحثّ الخطى قليلاً، لكن الكرة لم تخطئه بصفعة قوية!.. ظلّ مكانه، في نظرةٍ حادّة، وتوقف الصّبيان تحسّباً لما يمكن للرجل أن يفعله!.. لكن شيئاً لم يحدث!. وواصل الرجل سيره.

حين قارب الهدف, كان احمرار خدّه قد تراجع إلى مسحةٍ صفراء. وطرق الباب!..

خرج له أخوه، وقاده إلى قاعة ملأى بحشد من الزوّار، إنهم منهمكون في جدلٍ صاخب، لم يعرف أحداً منهم. كانوا يتحدثون في السياسة، وفجأةً، دار الحوار همساًً بالرمز والإشارة!..

التفت إلى أخيه وتبادلا أطراف الحديث، عن العائلة، وعن حاله الصحية. كرر له أخوه اللوم والنصائح كالعادة. ثم تسللت كلمات من الحشد، تدور بين اثنين:

- حمار دون شك!.. رفض نصف مليون ليرة ؟!..

- طبعاً، وغبيّ!.. يعطي الله اللحم من ليس له أضراس!..

فأمسك عن التحدّث مع أخيه، وحدّق في الجمع باحثاً عن المصدر، ثم فجأة، وجد نفسه في المعمعة، وصرخ في غضب:

- نحتاج لديكتاتور عادل!..

خيّم على الحشد صمت حذر. ووجد نظرات الفضول تتجه إليه, فاستوحى الشجاعة من واحد هزّ له الرأس، واتجه كي يضرب لهم مثله الأعلى:

- ضاعف الأجر ثلاث مرات، ومنع الرشوة، وبنى جيشاً قويَاً!..

فقاطعه أخوه:

- وماذا فعل أخيراً؟!..

- فعل ما فعل!.. أصحابه هم الذين خانوه!..

واختلس نظرة باتجاه المرآة!..

طاف احمرارٌ طارئٌ خلال الشحوب. واستعاد مشهد الأعمى بين الزحام، ثم ساقطاً تحت حوافر الخيل!.. فشعر بانقباض شديد. مرّت زوج أخيه تقدّم الضيافة, فمدّّ يداً إلى كوب الشاي غير آبهٍ للحرارة اللّاسعة، لم ينتبه حين أشارت له إلى الصّحاف، كان يقذف الكلام عالياًً:

- أين تجد العدل، والقانون؟!.. لا مبادئ للغابة!. إن أردت شيئاً، فما عليك إلاّ أن تحترم طقس الغابة، واحتفاءها بالمخالب، والأنياب!.

برأسٍ منكّسةٍ، وحسّ بالغثيان عارمٍ، ظلّ يرفع نظرةً ويلقي إليهم!.. كوّن انطباعاً عن كل واحد، هذا بثيابه المبعثرة التقليدية, وذاك في شكله المنمّق المريع, أما هندام صاحب السّموّ الرفيع, من لم ينبس بحرف حتى الآن، ما يدعو للريبة والشكّ!.. فما عسى يجمع بين حشرٍ عجيب كهذا؟! وأيّ مكان له بينهم؟!..أيّ فكرة عساها تُلقى إليهم، وتلقى القبول؟!.

شعر باستفزاز عظيم، وواصل القذف!.. خفق بكلتا يديه، فسقط الكأس أرضاًً، وتكسّر إلى شظايا، ما لاث له البنطال!. لحظة انتبه لهم، كيف يلقون نظرةً ساخطة، استبدّ الغضب به، ولمعت عيناه بالشرر، ثم انفجر:

ما دهاكم؟!.. كأس شاي واندلق فانكسر!.. أما رأيتم، كأس شاي اندلق وانكسر؟!.. أم وجدتم سبباً لبثّ السمّ المغليّ فيكم؟!.. خسّة!.. أنذال!.. لا همّ لكم إلاّ الجنس، ونفخ البطون، وملء الشوارع بالقطعان!.. كالحيوان!.. إن كنتم.. حتى أنتم!.. لا تعرفون للرياضة معنى، فكيف يعرفها صغار شياطين؟!.. تتحدثون في السياسة؟!.. ويلي عليكم!.. وويلي منكم يا أوباش!.. لو كنتم برأس وذيل، لكان خيراً!.. امتلأت المشافي بكم يا عجزة!.. والمقابر، والحدائق، والشوارع؟!.. والتهمتم كلّ شيءٍٍ كالجراد، حتى صرتم بكروشكم طبولاً تقرع، وأشداقاً تخور!..

وهبّ واقفاً!..

راحت المرأة تنظف له البنطال من لطخة الشاي، فنظر إليها، ولاذ بالسكينة. ثم نظر إلى الجمع من جديد!.. كانوا في أسارير باشّةٍ رقيقةٍ، وقال أحدهم تخفيفاً له:

- لا يهم!..انكسر الشّرّ!..

وقدّم له آخر كأساً جديداً، وضاحكته المرأة!.. عندئذٍ، انفثأ الغضب فيه، وسألهم:

- هل تلفّظت بشيء مزعج؟!..

قالوا:

- لا!.. أبداً. رأيناك تعصب رأسك!.. هل تعاني من صداع؟..

لم ينطق بحرف!..

رفع الكأس إلى شفتيه، ثم إلى عينيه، وانتبه، كيف جرع نصفها دفعةً واحدةً، فلم يشعر، هل كان الشاي حاراً أم بارداً، أم بين بين؟!.. كذلك السكر، هل كان بالقدر الذي يرغب، أم دونه؟!.. أخيراً أخبرهم بقوله:

- إني متعب!..

وعاد للتوّ يجترّ جملةً من أمور حملت له العناء!.. كان قد انخرط في الحزب، من ثم انسحب منه. ومذ ذاك، انهالت عليه التحقيقات والأسئلة والتقارير، حتى صار تسليةً لهم وملطشةً!.. نصبوا له العيدان، وعلّقوا الحبال، وصار لا يجوز حفرة إلاَ ليقع في أخرى. وكم انخرط في جدل عقيم، ما اضطره، في النهاية، لأن يعلّق صوراً من نسخة واحدة، على الجدران الأربعة، في البيت، والمكتب. والشارع، والحديقة!.. ولم يكتفوا!.. وهو المطمور بالقرف، فلا يرفع عينيه عن قدميه، عن الأوراق، أو الصور العارية, حتى يطلق بهما إلى أعلى، وقد اعتاد الأمر، أصيب بحولٍ علويٍّ، وذهب في متاهة, فداهمته الكوابيس والوساوس!. ينعجن كلّ يومٍ في زحام الحافلة والسوق والبيت، وقطعة العجين تعبرها الفصول العجاف، لتشتوي رغيف خبزٍ صيفاً، وتنكمش إلى قطعة ثلج شتاءاً!. وكل صباحٍ، كلّ صباحٍ!، بعد عناء ليلة صارمة، يصحو تحت زعيق امرأة ملأى بالمطالب والغضب!. ليأوي في المكتب خائراً، ينظر في الملفات الصفراء الشائكة، ويقرأ الصحيفة من آخرها، ويرتشف القهوة دون ملذّة!..

تحمّل ذاك الشقاء منطوياً على نفسه، فلا منقذ له!، حتى كاد أن ينظر من أصابع رجليه، ويطرح على الكرسيّ خراءه!.. إنه على يقين، من أن هؤلاء جميعاً لا يعرفون شيئاً عنه!.. والحال هذه، ما عليه سوى أن يتركهم في شأنهم، ويمضي!..

ترك الكأس نصفه، وهبّ واقفاً، فلفظ لهم وداعاً صغيراً من رأس شفتيه، ومضى لا يعقّب!..

أرخى اللّيل سدوله!.. كان الطقس مشبعاً بالرطوبة، وتهبّ، من حين لآخر، نسمة باردة!.

عند مفترق الطرق، تلفّت في كلّ اتجاه!.. في أيّ دربٍ يمشي؟!.. ما لبث أن اتّخذ واحداً، ظنّّه خالياً من الأشباح!.

-انتهت -

*(: إشارة إلى أبيات من شعر محمود درويش:

يا دامي العينين والكفين إنَ الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل

نيرون مات ولم تمت روما ، بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تجفَ ستملأ الوادي سنابل)

* * *

عمّان/ في1-6-2010

صياغة جديدة : 21-1-2010 . نسخة معدّلة:1-6-2010

ترنيمة الماء

صاح الديك ساعة الفجر!. فرفعت العجوز رأسها خلال نافذة الجدار السميك، وحدّقت!. مازال الظلام مخيماً. ومصباح الشارع، فوق الجدار، يلقي ضوءه الشاحب جانب الشجرة، حيث يخترق الأغصان فالنافذة وصولاً إلى السرير. فتدفع الريح الخفيفة أغصانها باعثةً حفيفاً أغنّ، وتهتزّ بقع الضوء المرميّة فوق فراش العجوز!.

رنت العجوز مليّاً إلى الضوء المتراقص فوق غطائها, وهي تصيخ السمع لأصوات الهوام تأتي من الغابة القريبة، فتنبح الكلاب، في المقابل، وبين هذه وتلك، كان يصدر غناء الضفادع والجنادب. فأحسّت بالخدر, وعادت للنوم من جديد.

مرّ الهلال حتى اكتمل بدراً، وأطلق الشعاع من وراء الجبل، فارتفعت أضمومة قوس قزح إلى الكواكب التي تسبح في حركة دائبة نشطة. ثم فجأةً، أضحت أصوات الهوام الضواري قويةً، فأجفلت العجوز، وفزّت للصخب المنطلق!. كلبها هادئ صامت، درج على عادةٍٍ قديمةٍ، أن لا نباح عندما تغفو السيدة المتعبة!.

بعد قليلٍ، انطلق الكلب والديك في صوتين معاً، عندها أدركت العجوز أن وقت الصلاة قد حان. نهضت في عزم, ومكثت لحظةً تراقب أضمومة الضياء الصاعدة، فيما ترتطم عند أطراف الغمام، وتنشر في المدى ألقاً. من ثم مضت إلى شغلها!.

جابت المكان، بين مستودع العلف والزريبة، بحركة عصبيةٍ منفعلةٍ، راكضاً الكلب على أعقابها، ورشّت الحبّ للدجاج المحتشد خلف السياج, حيث تقافز بعضه فوق بعض، وانكبّ على الطعام!.

في الحظيرة, كانت البقرة تركل الأرض علامة الجوع, وتطلق الشياه ثغاءاً متلاحقاً. فألقت العجوز حملها، وراحت توبّخ القطيع:

املأن البطون، وافرشن الزريبة بالقذر!.. واصرخن!.. هذا شغلكن الشاغل، ثم تعالي أيتها العجوز لتنظفي!.. إني لأشعر أني الخادمة, وأنتن الأميرات!.. اسمعن!.. سيصل الغمر قريباً، وتنتهين معه, مفهوم؟!.. أمان.. جانم.. أمان!.

بيت العجوز متداعٍ ضعيف, أخنى عليه الزمن، وأصبح في سجلات الحكومة، قيد الترميم, يحمل دفءً من الماضي، وجمالاً. لكن الأمر لم يتمّ، ظلّ طيّ الوعود, إلى أن تقرر بناء السد, فاحتلّ المشروع الجديد مكان الصدارة، وضرب الصفح عنه كليّاً!. مازال هيكل السد يعلو شامخاً, ويزحف الغمر حتى ابتلع أربعين قرية ممتدّاً في السفوح والوديان، طولاً وعرضاًً!.

لم تستسلم العجوز, قررت البقاء هنا حتى آخر لحظة!. لطالما طرحت الأمر على الرائح والجائي. وقررت في النهاية، أمام جاراتها العجائز، أنها لن تهدأ أبداً، حتى لو لزم الأمر، أن تصرخ في وجه المسؤولين أو تبكي!.

بعد أن أشبعت القطيع, وقفت مرة أخرى تلقي عليه خطاباً:

يا حيوانات !..

أنا مسافرة إلى اسطنبول.. سوف أوصي بكن جارتنا العجوز حتى أرجع.. يجب عليكن طاعتها كل الطاعة!. مفهوم؟!.

نظرت إلى الكلب يهزّ لها ذيله، وإلى البقرة تصدر خواراً أجشّ. أما الشياه، فحدجن العجوز بعيون صغيرة مستديرة ملؤها الدهشة!. قالت لهن العجوز:

تردن القول, وماذا تفعلين في اسطنبول؟!. لا تدسسن أنوفكن في شيءٍ لا يخصّكن!. مفهوم؟!. أمان, جانم, أمان!.

أغلقت الباب بمفتاحٍ ضخمٍ، مروراً بجارتها العجوز, فشوّرت أمامها، وخفقت باليدين، ثم أسلمتها المفتاح, وغادرت!.

في العراء, خلال الدرب الترابية، تراشقت ريح قوية ثوبها الطويل يمنةً ويسرةً، وبعثرت شالها الخفّاق. أما عصابة الرأس فكانت ثابتةً محكمةً, في عقدة على الجبهة, تركت شرافيف الخيوط خلف رأسها نهباً للريح!.

هناك المحطة!. بناءٌ منفردٌ صغير، ورايةٌ من قماشٍ أحمر، عليه الهلال كعرف الديك، تصفق به الريح دون هوادة!. كان القطار على وشك الإقلاع، فأخرجت العجوز ساعة فضية، بسلسالٍ طويل، وألقت نظرة، ثم حثّت الخطى قليلاً!.

مالبث أن أطلق القطار صافرة التنبيه، كانت العجوز قد صارت في المحطة!. فأخذ العامل بيدها عند سلّم المقطورة، فتقدّمت خلال الممرّ، ووجدت مقعداً خالياً عريضاً، مواجهاً لآخر قد احتلّه زوجان وطفلان. فألقت العجوز ابتسامة للطفلة الصغيرة, وعلّقت عكازها برفٍٍّّ جانبيٍّ. ثم جلست.

للتوّ، راحت تخاطب الطفلة الصغيرة, وتطمئنّ عليها، ما شاء الله، كيف الحال؟!. على ما يرام، إنشاء الله؟!. أراك تلبسين ثياب الربيع, ونحن لم نغادر الشتاء بعد!.

لم تخرج الطفلة عن صمتها. راحت تحدّق باستغراب!.

فاستأنفت العجوز:

من ناحية, معك الحق، سطع البدر في الليل، وكان أزيز الجنادب, والضفادع!. علامة الربيع!.

راح الطفل ينقّل عينيه في فضول، بين العجوز وأخته. كانت الأمّ تثرثر في سمع الرجل، وهو جاحظ بعينيه في الفراغ!.

ثم انطلق القطار!..

تابعت العجوز تخوم القرية الراكضة إلى الوراء بنظرة شاردة. وإذ لوى القطار في محيط الهضبة, وصارت المقبرة في مرمى النظر, عادها التفكير فيها!.. حيث مشهد الوهن، وقد اعترى الشواهد المنتصبة، فأحنى ما أحنى للبلى، وقصف ما غزاه العطب للحطام!. الآن، يرفّ منديل أخضر فوق هام الشاهدة, ذاك هو مثوى أبيها!.

فجأة, انطلق الطفل راكضاً في الممرّ. فأثار ضجّة ووقف قبالةَ طفل آخر محشورٍ بين يدي أبيه, فتبادلا نظرة صامتة. ما لبث أن واصل الطفل الركض لاوياً رأسه صوب صاحبه السجين.

ربما يكبرُ الطفلُ الطفلةَ سنةً من العمر. لكن فوارق أخرى تسترعي الانتباه. لوت العجوز بين هذا وتلك للتخمين!.. ووجدت الطفلة ما تزال ترنو إليها بنظرة الفضول, فألقت لها ابتسامةً, وشعرت للتوّ بالتعب. فأغمضت عينيها للراحة!. ولم ترفع جفنيها إلاّ حين صاح القطار على مشارف المحطة التالية.

هذه البلدة تعرفها. هنا, لها بعض الأقارب, كانوا قد استبقوا وصول الغمر إليهم، وارتحلوا. في التقائها معهم أخيراً, سمعت الشيء العجاب, ما ترك في صدرها ألماً وحسرة. لقد أصابها الغمّ خاصةً حين شرعوا يتحدّثون عن الموتى!.. كان عليهم حمل موتاهم والقبور, فوجدوا العظام الجافة النخرة, يا رحمة الله!.. حيث الجماجم بعيونٍ منقعرةٍ فاغرةٍ, والفكّان بأسنانٍ عاريةٍ ضاحكةٍ!.. ظلت تسمع العجوز القصة في رهبة, حتى جاؤوا على ذكر من قضى نحبه مؤخّراً, ويا للهول!.. إذ لم يجفّ اللحم عنه بعد، فأغمضت عينيها, وهي تسدّ أفواه المتكلمين, لترجوهم أن يكفّوا: لا أستطيع سماع هذا, أمان, جانم, أمان!.

بانطلاق القطار، أعطت العجوز الطفلة ابتسامةً صغيرةً أخرى, وأسبلت للنوم جفنيها!. لكن طائفة من الأحداث احتلّت ساحة الخيال!.. فهزّت رأسها، واسترسلت مع الذكريات!.

مرةً, كانت مسافرة إلى اسطنبول, في قطارٍ، وعلى هذا الخط بالذات. كانت شابةً, ومعها طفلان صغيران.. ما حدث شيء لا ينسى!.. حمل الفلاحون الخراف والدجاج إلى مقصورة الركاب، وانطلق القطار ينفث هذا الدخان الكثيف. لا تعرف, هل هو من حريق الفحم, أم من زيت النفط الثقيل. ثم فجأة, صدر صوت المفتش يجعر في صراخٍ مجلجلٍ، حاملاً للركاب التوبيخ!.. قال لهم, إنه لولا يخاف الله, لرماهم وما معهم خلال النافذة!.. ولكن, عليهم أن يأخذوا، للمرة القادمة، جانب الحذر, أشدّ الحذر، لو عادوا لفعلتهم هذه, فسوف يرميهم وما معهم بلا رحمة, حتى لو صبّت عليه السموات والأرض اللعنة والغضب!. أمان، جانم, أمان!.

ألقى خطابه المدوّي وانصرف!.

وتسلّل الدخان الثقيل داخل المقصورة, حتى أشرفت الطفلة الصغيرة على الاختناق, فأخرجت لها منديلاً وضعته على أنفها, مادفع الطفل كي يصرخ غيرةً, فاستبدلت أنفها بأنفه. ثم انتبهت إليه يضحك من تحت المنديل. كان القطار قد أسرع, وهبت ريح تطرد الدخان، فوضعت الأمّّ المنديل على أنفها، تدرأ رائحة روث الحيوان المتساقط!.

وغفت..

المحطة التالية..

صاح الديك في رأس العجوز، فاستيقظت لتجد القطار يطلق الصافرة، فيما يخفف السرعة استعداداً للوقوف!.. فأعطت الطفلة ابتسامةً صغيرةً, ولاحظت، هذه المرة، أن الطفلة بدورها تبتسم!.. انتبه الطفل لذاك, فانقضّ على شعر أخته يشدّه, ما جعل العجوز تطلق نظرةً صارمةً, فأرخى الطفل يديه!.

مازال الوالدان يثرثران همساً!..

وانطلق القطار..

أوشكت العجوز أن تغفو، حين خطرت لها الذكريات، مرة أخرى!،

كانت في رحلة شهر العسل، بالقطار، وعلى هذا الخط بالذات. امرأة جميلة, في صحبة رجل متيّم، ذي شارب أسود معقوف إلى أعلى، وعينين ذابلتين، يتبادلان نظرةً ولهى, وقد بداعلى وشك السقوط في المحظور، بالكاد يمسك نفسه!، فما المخرج من تلك الورطة؟!.. فكرت في أن تثرثر في مسألة ما, لعلّها تصرف اهتمامه, لكنه لم ينصرف, ولم يغادر الصمت لحظةً!. اقترب برأس ضائع, وشفتين غليظتين, وهمّ بها!.. بسرعة رفعت يدها دونه, وراحت تدفع.. وتدفع!..

الآن، في اللحظة!.. كان القطار ينهي سرعته بقوة, ما أحدث صدمة، ودفع العجوز إلى الأمام, فاستقبل الرجل جسمها الضعيف، قبل أن تسقط أرضاً، وراحت الطفلة تصرخ!..

هدّأ الرجل من روع زوجه. وقال لها, ربما عجلات القطار تحطّمت!.

قالت العجوز للطفلة:

لا تخافي يا حلوة!.. وقف القطار, لأن النعاج الصغيرة تقطع السكة!.. عدّي معي، واحد.. إثنان.. ثلاثة!..

وسار القطار!..

حدّقت الطفلة في العجوز بدهشة!..

ساعة الوصول!..

ولاحت بساتين اسطنبول!.. فالمباني المبعثرة المغبرّة، بقايا ماضٍٍ بعيد. أمّا الضاحية فقد انتظمت شوارع عصرية، ومخازن، وشاراتٍ ضوئيّةٍ للمرور!، وصاح القطار!. المحطة الأخيرة!..

لحظة سكن المحرّك، نهض الركاب للهبوط, فأعطت العجوز الطفلة ابتسامة الوداع, وانتظرت أن تفرغ المقطورة. لتهبط في هدوء!.

في بهو البناء، ألقت نظرة هنا وهناك!.. هذا كنف المحطة، كما كان تقريباً!.. الأبواب، النوافذ، الأقواس، والزخارف!.. لكن أشياء استجدّت، أيتها العجوز!.. فلوحة الإعلانات لم تكن موجودة، ولا الأرقام الدوّارة, ولا قضبان الحديد!.. انتبهت إلى طوابير الناس، أمام شبابيك التذاكر، وقد حشروا بين القضبان المتوازية، يفصل ما بينهم وبين الموظفين زجاج سميك!..

بينما تكتشف العجوز المكان من جديد, اصطدمت ببعض المارّة المسرعين, وقدمّوا لها اعتذارهم، لكن العجوز ردّت بلهجة من يعتذر، ويقبل له اعتذاره “تشكرات أفندم” !..

ولكن الناس حقيقةً تكاثروا إلى درجة مهولة، أيتها العجوز!..

وهم، مع كثرتهم هذه, في شغل شاغل, سراعاً يمرقون!.. فلا يلوون!..

العجوز تعرف أن في المشي لذةً لا يعدلها شيء في الوجود، تمنح التأمّل في خلق الله, والمتعة. وهم، المساكين!.. يفقدون تلك النعمة!. يرتطمون بعجوز بطيئة السير فلا بأس!.. ولكن, هل ينظرون فيما حولهم حقاً؟!.. تشكّ العجوز في هذا!. إنها تعرف المدينة وأهل المدينة!.. إنّ لها ابناً طبيباً هنا, وأقارب, يزورونها في المناسبات، ويعرضون ما عندهم من هموم, فتهزّ رأسها عجباً!.. لا تعترض, وإلاّ وجدت من الحجج والذرائع شيئاً لا ينتهي!. إنها على درايةٍ بأنّ الزمن قد تغيّر, وأن في جعبتهم آراءَ معقولة، لكنها لا تفهم لم لا يريدون التزحزح عنها قيد أنملةٍ؟!. أما وقد حاولت مراراً أن تثنيهم عن ذلك دون جدوى!, وكاد رأسها يطقّ، وصلت أخيراً إلى حلّ، أن تهزّ رأسها, وتردّد عبارةً جامعةً مانعة: “أمان, جانم, أمان”!.

ولكن، تحدّث العجوز نفسها، كفاك تخلطين ماضياً بحاضر!.. انظري أمامك.. هذه المرأة العجوز مثلاًً!. إنها في سنك، وقد أصابت حظاً من التمدّن, لتضع قبّعةًً عصريةً على رأسها, ونظاراتٍ طبيةً, وتلبس معطفاً إلى أسفل الركبة, وحذاءاً واطياً, فما المشكلة؟!.

لاحظت عجوز المدينة عجوز الريف تمشي الهوينى, وتصبّ عليها نظرةً فاحصةً!. فأبطأت لها، وعند التقاطع, أفشت عليها السلام:

-كوزال.. إنشاء الله؟!..

أجابت عجوز الريف:

-تشكرات أفندم!.. الحمد لله, خوش كوزال!..

شيّعت عجوز الرّيف عجوز المدينة التي تبتعد، بدهشة. انتبهت لحذائها، إنه مثل حذائها تماماً, واطئٌ هادئٌ مريح!.

الشّابات، من حولها، يثبن بشعر ملقىً على الأكتاف، وبالكعب العالي، مطلقاتٍ نقراً يرجّع الصّدى, وعطراً يفوح!..

فهزّت رأسها!.

العجوز تحب العطر, لكنها لا تفهم, لم يجب نشره على الملأ؟!.

لا تعرف أنواعه, وما استجدّّ للموضة!. كانت تحب المسك البكر, وأوقفت هذا الحب، يوم علمت أنه يأتي من الغزلان، وصار نادر الوجود, كونها أصبحت نادرة!. استعاضت عنه بالورد الذي يزهو من حولها, ويربو!.

أقرباؤها يحملون قوارير العطر, وأطفالهم يشرحون لها, هذا للنساء، وهذا للرجال!. تقول لهم: يعني, هذه مملكة النساء, وهذه مملكة الرجال!. فماذا للعجائز؟!، والأطفال، ياصغاري؟!. يقولون: لا شيء!. فتقول: بلى!. اخرجوا إلى الحقل وشمّوا!.

يشعرون أنها تسخر منهم, أو تلقي عليهم نكتة!. فينطلقوا ضاحكين!.

هذي هي ساحة المحطة!..

كما كانت!.. بل ازدادت زحمةً!.. تغيّرت أشكال الناس.. أزياؤهم.. أصواتهم!.

نعم!. وها هي الترومواي مازالت تدقّ الأجراس أيتها العجوز!. لم يختلف صوتها كثيراً!. أصاخت العجوز للرنين المنطلق بمتعةٍ, لكن سائقي سيارات النقل قطعوا عليها تلك النشوة بالصراخ:

- تفضلي ياعمة!.. أين تقصدين؟!..

- عمة.. يا عمة!.. في خدمتك؟!..

- سيدتي!.. سيدتي!.. تفضلي!..

- أين يا جدة تذهبين؟!..

خاطبت العجوز السائقين المهذبين جميعاً قائلةً لهم، إنها سوف تمشي قليلاً.

- حسناً يا ولدي!.

- بوركت ياسيد!.

- سأمشي, سأمشي, تشكرات!.

- ليحفظكم الله جميعاًً!.

أرسلت نظرةً إلى الجسر الطويل المعلّق!.

ويا للهول!. مازالت جدائل الفولاذ المشدود تحمله، أشبه أن يكون باخرةً عملاقةً, مشرئبّة الصّواري, تأخذ من الغيم وتلقي!.. والنهر الراكض تحته, صوب المسافات البعيدة، يلهث في صليل دفق المياه، كونه مستعجل الوصول هناك، عند مستنقع السدّ!. سوف يصل لابدّ, وينفخ الضفاف، صاعداًً سفوح الجبال، إلى الأحياء والأموات!.

ترنو إليه العجوز، وتهزّ برأسها!.

ومع ذلك، يبدو الجسر عجوزاً أنهكه التعب, يحطّ كتفيه على ضفتين، ويدبّ الناس عليه دبيباً لا نهاية له. هابطين تحت إبطيه، فصاعدين الدهاليز والسلالم!.

اخترقت العجوز الحشد في عناء!.. حيث أنساق باعة الرصيف، يصرخون لبيع الألعاب، والعطور، والجوارب. فاجتازت الممرات المكتظة صعوداً إلى المنصة، لتضع أوّل خطوةٍ لها على الجسر، في الهواء الطلق!.

وفي منتصف المسافة, وقفت تنبش خلائط الأشياء من جيبها الطويل!،

هذه هي السبحة.. وهذا هو السّواك.. حافظة النقود.. أزرار مقطّعة.. رزمة مشابك الشّعر, ومنديل الأنف القماشيّّ!. ولكن, أين الوريقة الصغيرة, أيتها العجوز؟!.. قصاصة الورق!..

عادت العجوز لفحص الأشياء مراراً وتكراراً دون جدوى!.

وتمتمت:

ضاع عنوان الولد!.

أوقفت صبياً عابراً، وطرحت عليه أسئلةً:

- ياولدي!.. حماك الله, قل لي.. إن مشيت باستقامة هكذا.. فإلى أين أصل؟!.. أو إلى اليمين.. فأين أنتهي؟! أو اليسار.. فأين أصير؟!..

حدّق الصبيّ ياستغرابٍ, وقال للعجوز:

- ماذا تقولين ياجدة؟!.

قالت العجوز:

- يا ولدي.. أجبني, حماك الله!.. أريد تذكّر أسماء الأماكن, لقد أضعت عنوان الولد, ورقم الهاتف.. وكل شيء!..

قال الصبيّ:

- رأيت ورقةًً تفلت منك ياجدة!.

- أين هي؟!.

- سقطت في النهر!..

- سقطت في النهر؟!.. ويح هذا النهر!.. يا ويحه!.. ورائي وأمامي؟!.. أي بنيّ!.. تشكرات.. امض في سبيلك, حماك الله!..

عادت العجوز القهقرى, عابرةً إبط الجسر بالدهاليز والممرات، فصاعدةً إلى رصيف الشارع!.

وقفت قبالة النهر، حيث رهطٌ من صيّّادي السمك العجائز, قد أحنوا ظهورهم قابضين الصنانير بخيوطٍ مدلاّة, ينترونها من حين لآخر, فتخرج فارغة!..

هنا, في هذا المكان, وقفت ذات يومٍ، بصحبة والدها الشابّ!، كانت طفلةً صغيرةً, وشدّها العطف على هؤلاء المساكين. قال لها أبوها,يا بنية!.. الصبر, يعني لهم متعة انتظار المكافأة!. إنه جزءُ من عملهم!. بعد أكثر من ثمانين حولاً, الآن, في هذا العمر!.. تفهم العجوز أباها أكثر, وتفهم ماذا يعني الصبر والعمل!، تمتمت في سرّها: رحمك الله يا أبتاه!..

سارت مسافةً, ووقفت ترسل نظرةً بعيدةً!..

ثمة عاصفة تجتاح عرض البحر!.. وترتجح السفن هائجةً ميّالة!.. فتخال العجوز أن المراكب توشك أن تغرق!..

ذات يوم, انهمك أبوها يشرح لها عن الريح العاصفة, فشبّه لها ذاك الجموح بامرأة عجوز، ما يقابل طفلة شبيهة بالنسيم العليل, من أين الطفلة والعجوز؟!.. كانت ساهمة تفكر، فأطلق ذراعيه خطفاً، جهة اليمين, ولمحاً، جهة الشمال: هكذا تمرّ العاصفة يا سيدتي الصغيرة!.. ومرّر كفّيه على شعرها في حنوٍّ بالغٍ: وهكذا النسيم!.. ثم أضاف: سيدتي الصغيرة!.. أثناء الربيع, والعصافير الجميلة تطلق الألحان, لا شكّ أنك تسمعينها, فأنت لست صمّاء, وترين قطع الغيوم البيضاء تزيّن السماء، لا شكّ، فلست عمياء, والحقول الملأى خيلاً وماشيةً!.. بينما القطط الصغيرة عند رجليك, والكلاب من حولك، وأنت ترفعين هذا الأنف الصغير وتشمّين!.. فماذا تشمين؟!..

كانت تتابع يديه، اللتين تخفقان، في متعةٍ, فيما يطلق الصفير, بحركة تمثيلية رائعة, فإذا انتهى المشهد وجاء السؤال, أجابت بانفعالٍٍ غير عابئةٍ: النسيم!.. فصفّق لها صارخاً في عرض الشارع:

برافو!.. سيدتي الصغيرة!….

الآن، تردّد جملة في سرّها: نسيم وعاصفة!.. طفلة وعجوز؟!..

أطلقت العجوز نظرة أخرى!..

صار للبحر ذراعان تحضنان المراكب. وهذا الرصيف المواجه، حيث ينتهي الموج الهادر المتكسّر عنده!. من هنا مرت, لم يكن الميناء قائماً بعد. كانت الشمس ساطعةً, وأشجار الحراج تحفّ بالشاطئ الأزرق المديد، بينما افترش المصطافون الظلال الرطيبة, وعلى الأغصان، فوقهم، أسراب العصافير, ترسل الغناء جذلى!. كان في يدها قطعة حلوى, فألقت فتاتاً تزاحمت فوقه الطيور!. كان السنونو يحوم فوق وجه البحر متهادياً يلطم سطح المياه!. ويدفع لأمواج. فألقت ما عندها للطيور، وركضت تركل زبد البحر المترامي في تحدٍّ عنيدٍ!.

تفكر العجوز!..

إنها تسمع الأخبار، والكوارث التي تضرب في أصقاع الأرض!..

تفكّر!..

نعم, كانت لنا الحرب، والمجاعة، وسفر برلك!.. ولكن، كان الناس أكثر بساطةً ورضىً!. كانت الأشياء واضحة!. ينطق السيّء بالسوء, والعاقل بالحكمة, كلّ واحد يعرف خصمه. اليوم, لانعرف!. اختلط الحابل بالنابل, وشاع الخداع, فضعنا, لم نعد نعرف لنا صديقاً من عدوّ!. الأقنعة على وجوهنا, والطمع في القلوب، والثقة ماتت!. يا رحمة الله!.

قطعت مسافة أخرى!..

من هنا مرّت وهي طفلة!.. ومشيا.. مشيا، أخيراً, قالت لأبيها, تعبت!. قال لها, نعم, ياسيدتي الصغيرة, وأنا كذلك!. كانا قرب مسجد السلطان أحمد, فيمّما شطره للراحة!.

تفكر العجوز!..

يعود القطار ساعة المساء, فأين تقضي الوقت حتى هذا الموعد؟!..

هزت رأسها للفكرة!.. مسجد السلطان أحمد!.

صعوداً درب الترومواي, وقفت العجوز عند منعطف يلوي إلى زقاق خلفيّ, وقرّرت زيارة الحيّ القديم، لها ذكرى فيه, وهي تحبه!..

ولكن, يا أسفاه!.. كان، هنا، بناء جميل, عالي النوافذ والشرفات, يحيط به ممرّ خارجيّ, بسياج من الحجر المخرّم والنقوش, كانت تلفّ السلالم الطليقة قبالةَ فضاءٍ مفتوحٍ, لتلج الحرم الداخليّ. لم يعد للبناء وجود!..

وهذا بناءٌ تداعت جدرانه!. وهذا تهدّم!. وذاك رمّم!. القلاع والقصور مازالت قائمةً صلبةً، كما كانت، تقبع خلف الجدران الشامخة!.. حسناً, تهزّ رأسها, وترنو إلى الحصون شزراً!. وهذا يكفي!.. ستعود أدراجها إلى الشارع العام!..

وهنا!.. ياللهول!، تدفن البنايات الضخمة الطريق كلّه, لقد حجبت كلّ شيء!، وهي، مع ذلك, تبدو ساخرة مستكبرة!. تقرع الترومواي أجراس مروراً فوق سكةٍ تفصل بين الضفّتين، أشبه بخطّ هدنة, وحكمٍ يلهث بالصافرة خلف اللاعبين!.. وهذا حشد أرتال المراكب الجرّارة، منهمك في إطلاق الضجيج، والدخان الأسود!. يا رحمة الله!.

من هنا مرّا!.. يشبكان يداً بيد، على موعد مع الخيل، التي تختال مثاني وفرادى وهي تجرّ عرباتٍ مزدانةً جميلةً، وتنفض الغرّة على هاماتها يمنةً ويسرةً، فيما يحمّ بعضها من لجامٍ في فكّيه, ويرفع بعضها الصهيل الجميل!..

تسمع العجوز صوتاً قادماً من ذاك الزمن, وتنقر بعصاها جانب الطريق نقراً متلاحقاً نزقا!. كانت الدروب المحفّرة، وتتّقي بكفّ أبيها عثرات الطريق. هنا, وقف رافعاً السبّابة إلى جبالٍ ناهضةٍ في السّماء, وقال لها: بيتنا خلف هاتيك الجبال، يا سيدتي الصغيرة!.

أين الجبال؟!..

علّقت العجوز نظّارةً طبيّةً!..

لا جبال!.. دونها الخرسانات الضخمة!.. وهذه!.. ما شاء الله!.. في محاولة، أشبه أن تكون رشوة, رفعت ألواحاً ضخمة من زجاجٍ عاكسٍ منمّقٍ, تعيد للناظر ما يراه قربه, وكأنه أعمى لا يراه!.

مازالت الرّيح تعصف في السحاب، فيلتحم في فضاءٍ محصورٍ بين كفّتين. سرعان ما انفكّ غيوماً متقطعةً، سطعت خلالها الشمس. من ثم حلّت سحابة ضخمة غطاءً فوق النطاق كله، فتراجع الأمل بانقشاع الشعاع. وعندها، شعرت العجوز بالضيق, فاتجهت صوب الحيّ القديم ثانيةً!.

الريح هنا أكثر اعتدالاً. لكن عاصفةً قويةً راحت تفلّ الغيم، وتلقيه بعيدًا في الأقاصي, هناك، يرتصّ داكناً كثيفاً, ويطلق البرق عليه النار, فيأتي الرعد مدوّياً ومرسلاً الأصداء من كلّ جهة!.

وهنا، فوق العجوز, بات الغيم واهياً بعيداً عن مسار الشمس، ليسطع الشعاع من جديد، فاستقبلت العجوز بحفاوةٍ الدّفءَ الهابط, لكنها سرعان ما شعرت بالظمأ, وعادت إلى الشارع العام!.

وقفت أمام بقّالةٍ، تفكّر!.. لحظةً، ثم دخلت!.

لاحظت، من البداية, أشياءَ غريبةً تجري, وراقبت ما يحدث في فضول!.. ضمّ البائع كفّه اليمنى في قفّازٍ بلاستيكيّّ, فيما علّق باليسرى ورقةً نقديةً ذات رقمٍ له من الأصفار شيء لا يحصى، وقصاصةً بالمطالب!.. وثب إلى ثلاّجة ضخمة، واقتحم ركام البضائع، فأخرج مغلّفاً شفّافاً بسمكةٍ مجمّدةٍ مضغوطةٍٍ جاحظةَ العين. وانطلق إلى رفٍّ مقابلٍ، فجاء بكيسٍ مليءٍ بمسحوقٌ أبيض, لا تعرف هل هو ملحٌ, أم سكّرٌ أم طحين!، وآخرَ مذهّبٍ مجهولِ الهويّة. فألقى الأشياء في كيسٍ فضفاضٍ. ولمّا يزلْ يذبّ الذبابَ عن ورمٍ له في الأنف، فما يكاد يطرد واحدةً حتى تحطّ أخرى!.

أخيراً، وقف خلف صندوق الصرف, ونقر عليه الأزرار, فامتدّ لسانٌ يحمل أوراقاً نقدية, أضاف لها ذات الأصفار، والتقط قطعةً معدنيةً صغيرةً!.

انتبهت العجوز إلى فتاةٍ مطرقةٍ، وكاتفةٍ ذراعيها تنتظر. لم ترفع رأسَها قطّ, ولم تنطق بحرف. لحظة رفع البائع صوته بالكيس الفضفاض, وقال لها: خذي!.. تناولت الكيس وهي مازالت مطرقة, فسارت كذلك باتجاه المخرج. ثم وهي تقطع الواجهة الزجاجية، حتى توارت عن العين كليّاً!.

انتبهت العجوز توّاً لصوت البائع:

- ماذا تطلب السيدة العجوز؟!.

أجابت العجوز فوراً:

- جرعة ماءٍ من فضلك يا سيد!.

حثّ الحانوتيّ الخطى بقفّازه البلاستيكيّ, واقتحم الثلاّجة الضخمة, فحمل عبوة ماءٍ بلاستيكيّةٍ شفّافةٍ, وعاد أدراجه, فقدّم العبوة, وراح ينقر أزرار الصندوق رافعاً صوته:

- مئتان وخمسون ألف ليرة!.. ياعمة!.

قالت العجوز:

- مئتان وخمسون ألف ليرة؟!.. لجرعة الماء؟!..

لم يجب البائع. لكن العجوز استغربت كلياً!.. لم تضف كلمةً واحدة!. للتوّ، أعطته ظهراًًً، وسارت باتجاه المخرج. فيما ظلّ البائع رافعاً أنفه المحمرّ، ومشيّعاً العجوز المغادرة!.

في الشارع, كانت العجوز ترفع السبّابة في وجه المارّة، وتردّد:

مئتان وخمسون ألف ليرة للجرعة!.. ياعمة!..

مئتان وخمسون ألفاً.. ياعمة!..

فقط ياعمة!.

رفعت رأسها إلى الترومواي العابرة, وهي تقرع الأجراس, لترى الشرر الوثّاب، يرسم، باحتكاك الذراع، مع سلك الطاقة الكهربائي، صورة آلةٍ كاتبةٍ، تلقي على السطر حروف النار, فتذهب الصفحة للزجاج العاكس, حيث الطابعة. وهناك، يبدو المشهد مجسّماً ضخماً!.

أشارت العجوز للترومواي العابرة، مرّي عليك السلام!.

وسارت مسافةً, ثم وقفت عند رواقٍ عريض!..

شاشات تلفزيونيةٌ مصطفةٌ في نسقٍ, وأمام كلٍّ منها رتلٌ من نساءٍ ورجالٍ. في المقدّمة، رجلٌٌ يعمل نقراً على الأزرار، ويرفع نظرةً إلى الشاشة، من حين لآخر، فخرجت له رزمةٌ من ورق المال, لتستقرّ في حافظة النقود, ثم في الجيب, دون حاجةٍ ما لفحصها, إنها الثقة!.

عاد للعجوز ملفّ الذكريات!..

كانت فتاة شابة!.. ولأمر ما, جاءت ترفع شكوى إلى الحكومة. قال لها الموظف, اطبعيها عند كاتب العرائض. فهبطت إلى الساحة، أمام مبنى السراي, حيث يقبع العجوز كاتب العرائض على كرسيٍّ واطئٍٍٍ, وراء الآلة, فدار جدلٌ بينهما. يريد العجوز معرفة التفاصيل الدقيقة. قال لها, يا ابنتي, لا أريد للموظف البليد أن يصرخ في وجهك, ويسأل عن الحمار الذي سطّر لك الشكوى. ثم يأمرك بالرجوع إليه، يعني إليّ, لاستبدالها بأخرى, كونه هو الحمار, ولم يفهم المعنىّ!.

تذكر العجوز, أنها أجابت كاتب العرائض عمّا أراد, وبنفس راضية, عادت إلى الموظف, فأسلمته الشكوى, حيث راح يقرأ النص بصوتٍ عالٍٍ ويهزّ الرأس, دون أن يستفسر عن كلمةٍ واحدة!.

كذلك عادها طيف زوجها المحارب، وهو يصف، في رسالة إليها، مشهد استلام الطعام، حيث رتل الجنود, وعند الناصية, خفيرٌ ساذجٌ بدين, يوزع حصّةَ كلِّ واحدٍ بضربة مغرفٍ، فيما يعطي النصائح!.. هيّا!.. انفخوا كروشكم واسمنوا، لتجلبوا لنا النصر!. هيا، تقدّم!.. تعال الذي بعده!. ولكن، ما وجه الشّبه في هذا كله، أيتها العجوز؟!.. الطبق, أم العريضة, أم حافظة النقود؟!.. كانت الحرب قد وضعت أوزارها تاركةً البؤس, والمجاعة!. ومكان الحبيب فارغاً, حتى إن الذكرى ذاتها اصفرّت ورقاً وكلاماً!.. لشدّما أدمعت عيناها, وخفق القلب!.

أمام هذا المشهد الكسير, وعينيها الدامعتين, والوقفة التي استطالت أكثر مما يجب، حيث صار آخرُ الرّتلِ أوّلَه, اقترب منها أحدهم، وهو يراها على تلك الحال, فبحث عن قطعٍ معدنيةٍ صغيرةٍ في جيبه. ثم قال لها:

- تفضلي يا سيدتي، اقبلي مني هذه الحسنة!.

نظرت العجوز إلى الرجل، وإلى يده، مستغربةً مرتبكةً!.. ما لبثت أن قالت له:

-أنا؟!.. لا.. لا.. يا ابني!.. معاذ الله!..

ولكن, يجب أن تمشي أيتها العجوز!.. ما وقفتك هنا؟!.. يا للعجائز!.. ها أنت أعطيت عنك انطباعاً سلبيّاً, أنك المتسوّلة!.. وتنتظرين أحداً ما، في مدخل البنك، كي يحشو كفّك بقطع الحديد الصغيرة!. هيا, إذاً، تحرّكي!.

فاستدارت العجوز للتوّ، وهي تحثّ الخطى بعيداً!.

ما لبثت أن أبصرت فتاتين بثوبين قصيرين, مرّتا تنظران إليها، فلوت العجوز معهما إلى الوراء, وشيّعت منظراً يطوي ساقاً وركبة. عندئذٍ، طافت عليها رؤى، وصور!.. أرتال الصفوف، وتكتكة النقر على الأزرار، والركبة طيّاً وفتحاً, وجيب الآلة اللّافظ ورق النقد!.

مازالت تصعد الحيّ!.

وأحسّت بالتعب, فوقفت عند سور حديقة, تطرف الأهداب، والريح تدفع أغصان الشجر لترمي مزيداً من أوراقٍ متقصّفةٍ في الممرّات، فيزحف الركام إلى ركنٍ حصينٍ، ويزداد ضخامةًً لا يتزحزح. فإذا هبّت ريح قوية سلخت جزءً من أعلاها، تاركةً الرّكام يحمّّ ويرتجّ في حفيفٍ كالصليل.

هناك طفلان يركضان ويضحكان، التفتت إليهما العجوز، وألقت ابتسامةً صغيرةً, ثم واصلت السير في طريق الصومعة!.

للعجوز مقام هنا!.

والآن، هالها الأمر، فمنذ لحظةٍ كان الصرح خيالاً لذكرى!، ثم فجأة، استدار دورةً عابثةً، وعاد قائماً حيّّاً، برواقٍ صغيرٍ مائل السّقف, وثغرٍ صاعدٍ ببضع درجاتٍٍ نحو المصطبة، فالمنصّة، من جديد. هنا كان الأطفال يلعبون!. وانضمّت إليهم طفلة تثرثر ببضع كلماتٍ وتصرخ، كأنها تعرفهم منذ سنوات!.

ناظرة في شرود، هنا وهناك!.

هنا، اقتعد أبوها!. مازالت تحفظ جلسته وشكله!.

أخيراً، حمل نفسه ومضى، فلم يرجع!.

بلى!.. تراه في الحلم.. في هيئةٍ بهيّة, يلقي إليها كلماتٍ مازحةً, ويقول، كيف الحال؟!. أمازلت طفلةً خبيثة؟!.. يشوّر بيديه بالحركة المعتادة, ويضحك قهقهةً, ثمّ تبدو على محيّاه قسماتٌ جادة ترسم الوقار!. لكنه طفلٌ كبيرٌٌ, هكذا كان ويبقى!. قالت له ذاك دون حرجٍ، وسوف تبقى تقول!.

تفكّر!..

هي التي تركض في العمر وتكبر!. صارت أمّاً وجدّة!. أمّاً لطفلة صغيرة تحبو في الخيال, وجدّة لأخرى صار لها أطفال من دمىً تلعب معهم وتضحك!.. كانت طفلة مدلّلة، دون شك, وظنّت أن الحال تدوم, وأن ما من شيءٍ خُلق إلاّ لأجلها!. اليوم، مازالت الطفلة تكبر عوداً على بدء, وتطرح الأفكار البالية, لتدرك أنها ما خلقت إلاّ لأجل طفلين غريبين، وحقلٍ يغرق, وبيتٍ مهدّد بالزوال, وقطيعٍ لا تعرف إلى أين تسوقه!.

أمّا السيد، الممدّد في المقبرة، المهدّد!، فمازال على سفح الجبل, في كنف الجلال, والصمت الأبديّ, لتذهب بطوق الورد إليه, صباح كلّ جمعة, فتلقي عليه السلام، وتجلس على طرف المصطبة, تدفع عنه السكون الثقيل, بما تقرأ من قرآن. فلا شيء يعكّر صفوه سوى الغمر. والغمر آتٍ لا محالة!. ولسوف تبقيه في الماء مهما حدث, إنها ترفض نقله!. ويا حبذا لو صارت إلى جنبه قبل تلك اللحظة, إذاً, لكانت سعيدة, وكان الماء مرسالاً بينهما!. عندها, تنضمّ إلى السكون السرمديّ, بانتظار الله, غير عابئةٍ بالزمن, طال الدهر عليها أم قصر!. آخر المطاف، ستنهض وتلتقي أباها!. ويداً بيد، إلى الله!. قال لها، سنحشر يومئذٍ حفاةً عراة!. حسناً، ستنظر في السماء!.. ولكن كيف ستجد نفسها؟!.. طفلة أم شابة أم عجوزاً، كحالها اليوم؟!. لم تسأل أباها عن ذلك؟!.. كانت طفلةً، وظنت أنها ستبقى طفلةً، في الحياة الدنيا وفي الآخرة!. ولكن، في طريقهما إلى الله، بعد فترة الموت هذه، ربما تسأل أباها عنه، ما شكله؟!. ما هيئته؟!. فهل سيردّ عليها مكرّراً ما ردّد من قبل، كما لو أن شيئاً لم يحدث؟!. قلت لك، يا سيدتي الصغيرة!. هل أعرف أكثر ممّا تعرفين؟!. ستقول له ما كانت تقول، يعني، سؤال في سؤال!.

وإن لم يحدث, وطوى الغمر كلّ شيء!.. ستواظب على زيارته صباح كلّ جمعة!.. تقف عند شاطئ البحيرة حاملةً طاقة الورد, وتقول للريح والماء، خذاها إليه!.. فإن أمكن لها أن تذهب في مركبٍ, ستجثم على سطح الماء فوقه، وتلقي السلام، ثم تقذف الورد، وتقرأ ما تيسّر!.

نعم, سيبقى على السفح ما بقيت, ولن تنساه!.. ترك لها خيراً كثيراً!، غير المال والجاه والنبل!.. ترك الحكمة الغرّاء!. وبالحكمة وحدها استطاعت الصبر على الشدائد والمصائب والأهوال!. فأيّ شيءٍ يضاهيه؟!.

هنا جلسا، في هذه النقطة، ووضعت رأسها الصغير في حجره. كان يقترب من الصومعة جملٌ ضخمٌ مهيب, عليه جلّ من لبّادٍ محلّى بالذهب، وقد امتطاه رجلٌ فارع القامة، طاول رأسه سقف الرّواق العالي. ثم فجأة، مدّ البعير رأسه الضخم, بعنقٍ طويلةٍ، وعينين واسعتين فوقها تماماً!، عندها، فزعت أيّما فزع, وصرخت طامرةً رأسها في حضن أبيها!.

بودّها لو أعادت للجمل اللطيف اعتباره!.. لقد اقتنعت تماماً, وبعد فوات الأوان، أن البعير ما أراد إيذاءها قط!.. ما أراده، هو أن يبادلها قبلة الصداقة وحسب!. كان هذا رأي أبيها، وتريد اليوم تصديقه. ما كانت تخشاه، أنها لو قبلت بهذا التفسير، واستسلمت لقبلة الجمل الجلف، فأين عساها تكون؟!.. لاختفت بين مشفريه الغليظتين!.. إذاً, فأيّ قبلة هذه, وأيّ صداقة؟!.. ويضحك أبوها!.. على كلّ حال، ربما جاء ردّ اعتبارها للجمل متأخراً جداً، ودون جدوى!.. أليس كذلك، أيتها العجوز؟..

تهزّ العجوز رأسها !..

تلوي الترومواي بانحناء السكة, وتقرع الأجراس، فيدغدغ الرنين سمع العجوز!.. العجوز تحب الترومواي!.. والترومواي, بدورها عجوز أيضاً، وإن أثقلها يافطات الإعلان، لمياه غازية، أو مساحيق الزينة!. فإذا أصبحت بائسة، تفهم العجوز بؤسها. تلك أسرار العجائز، لا يعرفها أحد غيرهنّ!..

أومأت للترومواي العابرة، أن مرّي!.. عليك السلام!.

في عهدها، كان للترومواي شأن عظيم!.. غادية, رائحة!.. تحمل العمال إلى أعمالهم, والتجّار إلى محالّهم. ما من أحد فكّر ذات يوم، أن في وسعه الاستغناء عنها!.. جمعت قلوب الناس جميعاً واجتمعت فيها، آخذةً بأيديهم إلى حلمٍ جميلٍ، بإيقاع يجلو عنهم الهمّ والتعب!. أما الخيول، وقد كانت مختالةً بجلّ على الظهر بديع الشكل، وأجراس معلّقة, وصهيلٍ رخيمٍ لمن يطرب. فإذا اقتربت من السكة, وقفت لها أم حنون، كي تمرّ في سلام!. اليوم، هل تقف الترومواي لأحد؟!.. وأين الخيل كي تقف؟!.. أين البعير، أين الحمير؟!.. لا شيء من ذلك!. تهمس العجوز في سرّها, وتنقر الرصيف نقراً متلاحقاً نزقاً!.

ألقت نظرة إلى الأمام!..

ثمة امرأة افترشت جانب الرصيف, لابدّ أنها قادمة من الريف!.. شكلها بالزيّ الحريريّ المزركش، والثوب الطويل، وعصابة الرأس، ما يؤكد ذلك!. مثلك أيتها العجوز!.. نساء المدينة لا يفعلن هذا بأنفسهنّ!.. لم يعتدنه!. ولربما اعتبرن الجلوس هكذا على قارعة الطريق ضرباً من العار، أو فضيحةً!. لا تقدم امرأة المدينة عليه أبداً!. امرأةالريف لا يخطر لها شيء من ذلك. إذا ما أرهقها التعب، حطّته على الأرض فوراً، ورفعت الرأس إلى السماء. عندها، الأرض والسماء صنوان، هي معهما في عقد مقدّس أبديّ!. لا تملك الإنفلات منه قيد شعرة!..

ولكن، مهلاً أيتها العجوز!. تفترضين شيئاً ما وتبتعدين!. لربما كانت المرأة مريضة, أو كانت بحاجة لشيء ما!. إذاً, تمهّلي لتعرفي السبب!.

- إنشاء الله خيراً, يا ابنتي!. مريضة؟!.

- نعم يا عمة. قعدت للراحة قليلاً.

- لا حول ولا قوة إلاّ بالله!..

جاست العجوز بكفّها على رأس المرأة, وافترشت الرصيف معها، وهي تكفكف عبرة. دون مقدماتٍ، راحت تطرح مسألةً، ما أدهش المرأة الغريبة، فأصاخت لها السمع باهتمام!..

قلت له, يا بنيّ!. خذ عيادةً لك في القرية!. ها أنا أضعت العنوان، وأضعتك!. آهٍ له، وآهٍ منه!. ماذا فعلتُ؟!.

- هل ابنك طبيب ياعمة؟!.

- نعم, هو كذلك!.

- لو سألته عن مرضي!..

- أضعته يا ابنتي!.. أضعت العنوان!..

- لم لا تعيشين معه؟!..

- والشياه, والدجاج, والكلب, والبقرة، والأرض التي تركها أبوه؟!. وعمرنا الذي مضى؟!، فضلات؟!. نرميها للزبالة، ثم نمشي؟!.

انتظري!.. كلّ شيء سيغرق!.. عاجلاً أو آجلاً!. وأمنيتي الوحيدة, أن أموت قبل هذا, إذاً, لارتحت!. السيد الطبيب يردّد ما تقولين!.. نعم، كان هذا ذنبي!.. أنا التي علمته, وقلت له، أكمل في المدينة!.. فانتهى يسخر من أصله!. يا للمدينة!..

قال لي مرة، القرية!.. القرية!.. وماذا في القرية؟!.. الخرائب؟!.. سيجرفها السدّ, ونرتاح!.. صرخت فيه, خرائب أيها الضائع!.. وبّخته أشدّّ التوبيخ!.. دونك!. أنت الذي تحتقر موطنك يا ولد!. وكان بدوره يصرخ!.. ويصرخ!. طالما شعرت بالجرح, يا ابنتي!.. قلت له، تعال، هنا، تزوّج واشتغل يا ولد!.. ألا ترى إلاّ الخرائب؟!.. ألا ترى الجمال؟!..

أراه مرة في العام!.. بالله يا ابنتي, ما عساها تقول أم لابن تراه مرة في العام؟!.. ستسأل عنه، أما وجدت لك عروساً, يابنيّ؟!.. راح يصرخ!.. هل تحسبين الفتيات كومةً من البطاطا يا أماه؟!.. ماذا أقول بعد؟!.. السكوت!.

- أما عندك غيره يا عمة؟!..

- بنت متزوّجة!.

- هل تزورك؟!..

- نادراً ما تفعل يا ابنتي!.. إنها بعيدة!.. وفي ضائقة. بلادهم تمرّ في المآسي!.. أما تسمعين الأخبار؟!.. زوجها القوقازيّ. تاجر السجّاد, الغنيّ، كان يأتي إلى استانبول موسم التجارة!. بعدها, لا أدري ما حدث، تراجع شأن التجارة, وقلّ السّفر!.. أخيراً، انتهى يشكو من التكاليف، والضرائب، وقطاع الطرق، والجمارك!.. وكل شيء!. ثم نزلت نازلة, فترك السفر!..

آه يا ابنتي!.. اتركي الناس في حالهم!.. لكلّ واحدٍ همٌّّ يكفيه!. إن تسمعي هموم الناس تهن عليك الهموم!.

قلت لهم, تعالوا عيشوا معي يا مجانين!.. ما رأيت مثل زوجها يخشى الغربة!. قال لي، وبيتنا؟!.. وأهلنا, وأرضنا؟!.. كيف نترك هذا يا عمة؟!.. لمن؟!.. لم لا تعيشين مع ابنك أنت؟!.. وهو منك على مرمى حجر؟!.. فما عساي أقول؟!.. نعم!, على مرمى حجرٍ!.. هززت له رأسي!.

- وزوجك يا عمة؟!..

- راح في الحرب!..

- آهٍ!.. يا لي من امرأةٍ هبلى تنكأ الجراح!..

- لا تقلقي يا ابنتي!.. لا يهمني!.. تصالحت مع الأقدار، وجهّزت نفسي!.. أنا راحلة، في طريقي إليه!.

- بالله عليك يا عمة!.. أخبريني عن جيلكم، هل عاش البؤس، كما نسمع؟!..

- اسمعي يا ابنتي.. نعم، كان الناس فقراء، وماذا في ذلك؟!.. كنا نؤمن بالحكمة التي تقول، الفقير فقير النفس!.. سأقول لك شيئاً لا تنسيه أبداً، ما الفائدة، لو ربحت العالم كلّه, وخسرت نفسك؟!..

ورفعت العجوز عينيها إلى السماء!..

بزغ قرص الشمس عند طرف الغيم العالي, ولم تزل الريح تدفع السحب الوطيئة الصغيرة، في اتجاه واحد. فهذه جعلت تحلّ يداً من أمٍ راكضةً إلى أب, وتلك لاحقة أختها، وأخرى تجرّها الجدّة في حزمٍ، فلا تجد لها مفرّاً!.

شعرت المرأة بأن العجوز تحمل همّاً, أو ربما هي شاعرة تقرأ الأفلاك والغيب!.. يبدو هذا في حديثها وعينيها!. حاولت تتبع العجوز, لكن العجوز أطرقت, وتبسّمت، ثم خاطبت المرأة:

- عن أيّ شيء كنا نتحدث, يا ابنتي؟!..

- ربما عن الصبا!..

- عن الصبا؟!.. تجعليني أضحك، يا ابنتي!.

- لم لا؟!.. الصبا فرح وأمل!.

- فرح؟!..

- نعم!.

ابتسمت العجوز, والمرأة تضحك عالياً!.

تفكر العجوز!..

ماذا تريد المرأة؟!. هذا استدراج، فإمّا أن ترضخ له، أو تحمل حالها وتمشي!. أما وهي بدأت تحسّ بومضٍ دافئٍ خفيٍّ، يشدّها إلى ماضٍ، كاشفاً لها ساحة الخيال، فهي حيرى!. مازالت الغيوم تحثّ الخطى وتقول، هيا!. والريح تطلق الصفير!.. أما العواصف، فتهوي بقبضة صارمة، فوق رؤوس الشجر طوراًً، وطوراً على ستائر المحالّ!. والعجوز أمام خيار صعب. ثم لو أنها قررت مجاراة المرأة، فلا تعرف بعد، أيّ ماض تريده!.. لقد اعتادت التحدّث أمام صاحباتها العجائز دون حرج!. ولكن، الآن، ماعساها أن تفعل في عجالة، على قارعة الطريق، تحت هذا القصف السافر؟!.

ولكن, لم هذا الحرص كله، أيتها العجوز؟!. هل تجدين الحرص فيما حولك؟، في عصف الريح, وقصف البرق والرعود؟!. الآن، تنفقين الوقت شمالاً ويميناً بانتظار القطار, فما المانع؟!. تحدثي في أيّ شيء, وكما يحلو لك!.. لم التعقيد في المسألة؟!.. أو بكلّ بساطة، اسأليها عمّا تريد!.. لا شيء يدعو للحرص والحيرة. كوني أنت، كما أنت.. فأنت أنت!. لا تستطيعين خلق نفسك من جديد!. كوني أنت، وأمام الناس جميعاًًً. افترضي الطيبة فيهم والبراءة!.. لا شيء غير!. ثم اتركيهم لأنفسهم يقاضونها. سترين!.. مهما أرادوك إلى جانبهم, أو صورةً عنهم, هم ليسوا كذلك، في قرارة أنفسهم!. يريدونك مختلفة, هل تفهمين؟!. ألا يملّون التماثل، ويبحثون عن شيءٍ خاصٍّ بهم، فيقطعوا البرّ والبحر، كي يعيشوه، أو يروه؟!. هل تفهمين؟!. ثم هل عندك ما يخجل؟!. تحدّثي، ولتقبل منك ما تقبل, أو ترفض ما شاء لها الرفض!.

أخيراً, قالت العجوز:

- عم تريدين الحديث يا ابنتي؟!.

- عن أيّ شيء يا عمة!..عن الذكريات!.. والفرح، عن أيّ شيء.. أنت حرة!.

-تريدين الفرح إذاً!.

ولكن يا ابنتي, كيف نفصل الحياة، بين حزن وفرح؟!. هل هذا ممكن؟!. مرّت الحوادث بعضها مع بعض!. مثل هذا الفضاء، فالشمس تارةً, والغيم تارةً!. مثل العواصف، وهذا البحر الهائج!. وما فيه، من لؤلؤٍ، وأسماكٍ, وحيتان!. مثل سجادةٍ منمّقة!. عندما اقترب موعد ابنتي للزفاف، أرادت أن تترك لي ذكرى، وتغادر, هل تعرفين ما طلبت منها؟!. كانت حائكةً بارعة, فطلبت سجادةً!. ماذا تريدين فيها؟!. قلت لها، ارسمي ما تشائين، ولكن ضعي الطائر الحرّّ على كلّ زاوية!.

للطائر الحرّ حكاية عندي!.. هل تحبين سماعها؟!.

- نعم, يا عمة!.. تفضلي!.

- حسناً!.. في كلّ موسم، كانت تعبر الطيور المهاجرة، واعتدنا على واحدٍ فريد، يغرّد خارج السرب، يسمونه الطائر الحرّّ. يبقى في الديار بضعة أيام، يحوم فوقنا، على الأسطحة والحيطان والشجر!.. كل عام!.. نلقي له قطعة اللحم، فيما هو على علوٍّ شاهقٍ, لنرى كيف ينقضّ في لمح البصر!, مشهد يخلب الأنظار!.

أما الصيادون الزعران, فلا يتركون شيئاً من شرّهم، دابةً كان أو طيراًً!. جعلوا منه تجارة رابحة!. فهم وراءه!. وهناك، ماذا يفعلون؟!. يروّضونه، ويرقمون عصابة على عينيه, لا يرفعونها إلاّ لينقضّ على فريسة. والمسكين يصطاد، ويصطاد، ويعود للأسر من جديد!. يسلبونه اسمه ومعناه!. لم يأبهوا لاحتجاجنا، حتى اصطدمنا بهم، ورمونا بالبنادق، كما فعلوا بالطير والحيوان!. قلنا، هل أصبحنا في عداد التجارة أيضاً؟!. أوقفوا العابثين عند حدّهم، واستطعنا!.

لكن المشكلة لم تحلّ، أخذت شكلاً آخر!.

فوجئنا ذات يومٍ بقافلةٍ، من سياراتٍ فخمة، ورجالٍ عليهم القدر والقيمة, مصطحبين الخدم والحشم والكلاب المدربة الضخمة!. قالوا، إنهم يصيدون خنازير بريّة، فسمعوا عن وجودها في أرضنا. باركنا لهم سعيهم. فقد أتلفت لنا المحاصيل والزرع، وضقنا ذرعاً بها!. قلنا، الحمد لله، سوف نرتاح!. أبيت إلاّ أن ينزلوا عندي, وفرشت لهم سجاد الحرير, عادتي مع الأشراف!. لكنني قلت في نفسي, أيتها العجوز, هل تصدقين هؤلاء الأشراف، وبحثهم عن صيد الخنازير؟!، مع هذه القافلة الفخمة, والثياب المزركشة, والخدم, والحشم, والكلاب المدربة؟!، لربّما كان في أرضنا كنز، أو جاؤوا لشيء آخر!. إذاً, انتظري، لتعرفي السبب!. قلنا لهم، خذوا أولادنا حتى يدلّوكم على الكهوف!.. قالوا, لا حاجة لنا, عندنا كلاب شاطرة والحمد لله!. عندكم كلاب شاطرة والحمد لله؟!. إذاً, هيا!.

ويا ابنتي!..

مضت بضعة أيام والأشراف, بقطيع الكلاب، التي في حجم البغال, لم تقع على خنزير واحد!. ماذا؟!.. وانتبهنا لهم!, يبحثون عن الطيور الحرّة!. فوجئنا بذلك، وراعنا الأمر!. أفرغوا لهم العجلات يا أطفال!. واستقبلوهم بالصّفير والزعيق, لكم جائزة!.

في المساء, حزموا الحقائب بآذانٍ مدلاّةٍ, وارتحلوا!.

قلت لهم, وأنا أطوي السجّادة على طيوري الحرّة، آهٍٍ، إذاً, وا أسفاه!، يا شباب!.. لم تعثروا على خنزيرٍ واحدٍ؟!. فظلّوا صامتين, وغادروا يجرّون أذيالهم, فلم يرجعوا أبداً!.

انتبهت العجوز للمرأة شاردةً تفكّر!.

واستأنفت حديثها:

- اسمعي يا ابنتي!.. كانت حياتنا شغل وتعب!.. في الطبخ, والعجن, والخبز، والحقل.. لا نجد الفرصة لالتقاط الأنفاس!. اليوم، ما شاء الله, كل شيء عندكم!.. الثلاجة, والغسالة, والتلفزيون!.. والطائرة.. والتلفون!.. يتصل بعضكم مع بعض، من أول الدنيا إلى آخرها، في لحظة!. تقطعون المسافة في ساعات، بينما كانت تستغرق أياماً وشهوراً!.

- وهل هذا يكفي يا عمة؟!..

- أنا لم أقل يا ابنتي، هذا يكفي!.. فكّري!.. أعطيك مثلاً, أرسلنا الأولاد إلى المدينة، حتى يتابعوا الدرس. وماذا فعلوا؟!..ظلوا يعيشون فيها!.. رغم السرعة, وزمن السرعة!.. أولادنا في أوروبة يقولون، هناك يحدث العكس!.. يهرب الناس من ازدحام المدن، والدخان، والغلاء، إلى الريف. هناك يجدون كل شيء، القصور، وأماكن السياحة، الجامعات، الهواء النقيّ.. الصحة.. والراحة!. ونحن، الشغوفين بالتقليد، لا نقلّد الناس بالأشياء المفيدة!. يعني، نحن نحب الغلاء والبطالة، وأزمة السكن، والازدحام، والأمراض!. أليس كذلك؟!.

واخيراً، تعالوا، يا آباءنا, ويا أمهاتنا، شيلوا الهمّ عنّا!.

عندما أسمعهم يعرضون همومهم, أشعر بأن رأسي يطقّ!. لا أجرؤ على نطق كلمة!. إن فعلت سأجد معارضة ساخطة!. يريدون الشكوى من شيء, والدفاع عنه في وقت واحد!. وصلت إلى نتيحة، أن أسمع لهم، وأهزّّ رأسي، وأردّد جملةً جامعةً مانعةً، أمان، جانم، أمان!.

أحكي لهم, كيف قطعنا دروب السفر أياماًً وليالي بالخيل, والبغال, والحمير!.

كيف أضأنا الليل بسراج الزيت، وقطعنا الحطب, للدفء والموقد، وزرعنا، وحصدنا، وعجنّّا وخبزنا!، فأراهم بأحداقٍ مدوّرةٍ جاحظةٍ، مستغربين!.. مشفقين!. صغاراً وكباراًً!. فإذا ذكرت لهم طبيبنا الذي يسكن بنايةً، من عشر سنين, ولا يعرف جاره، بينما الباب قدّام الباب، فلا دهشة ولا استغراب!. هذا شيء عاديّ!. من منّا يستحقّ الشفقة؟!.

- ربما كان منشغلاً مع المرضى ياعمة!. لا تقسي عليه!.

- منشغلاً مع المرضى, أم مع الممرضات؟!.

قهقهت المرأة ضاحكةً!.

واستأنفت العجوز:

- أيام المجاعة, وسفر برلك، يا ابنتي!.. كان الناس يسعفون بعضهم بعضاً, واللقمة لمن يحتاج، كأنهم عائلة واحدة!. طبيبنا لا يعرف جاره من عشر سنين!. فماذا لو حدثت لنا كارثة، أو خراب، ونحن لا نعرف جارنا، أو أقرباءنا؟!. اسمعي عمّ يتحدثون!، ما همّهم؟!. أليس في الأرقام، وما خلف الأرقام؟!، فإن لم يعد للأرقام قيمة!، أو وضعنا كومة أصفارٍٍ على ورقة، لنشتري سمكةً صغيرةً مقدودةً، فماذا نفعل؟!، ماذا بعد؟!. نحن بحاجة للمال الكثير، والأصفار, فكيف السبيل؟!. حبائل الشيطان؟!، أم اليانصيب؟!، أم المخدرات!، أم الجنس!، أم الجريمة!. سنركض ونركض!. لعبة القط والفأر!. هل تسمعين الأخبار؟!. من الرابح؟!. السجن؟!، أم المصنع، أم التاجر؟!. أين الطبيب؟!، أيّ طبيب؟!. أضعنا العنوان!.

- شيء يوجع الرأس!. أرجوك ياعمة، اتركينا في الماضي، مع أجدادنا، هذا أفضل!.

- أما عندك جدّ يا ابنتي، أو جدّة؟!.

- لا!.

- أم عجوز, أو أب؟!.

- أبداً!. أنا يتيمة يا عمة!. نشأت يتيمة!.

- آهٍ!. يا لك من امرأة صامدة!.

اسمعي يا ابنتي!.. الحديث لا ينتهي!.. تريدين ذكريات الفرح, والعاصفة على الأبواب!. انظري!.. دعيني أقول لك كلمةً على عجل!، صحيح، كان الفقر والتعتير!.. وكان التماسك أيضاً والأثرة والثقة!. انظري هذا الانفلات!. لم نكن نعرفه!. يعني, عندما تكون البلدة مثل عائلة, فلا يخطر لأحد أبنائها الإساءة إلى أهله!. أسوأ غربة، يا ابنتي، هو أن يغترب الناس عن أنفسهم، وعن بعضهم بعضاً!. ستسألين ما السبب؟!. وأقول لك، الأنانية!.. إذا سيطرت يا ابنتي, تجدين الناس خصوماً وأعداءاً!.

- وماذا ترين يا عمة؟!.

- كان هناك التزام يا ابنتي!.

انظري، ماذا تجدين؟!. إما الإفراط أو التفريط، ماذا يعني؟!، الانحلال أو الجريمة!. عمري!.. لم أسمع إلاّ حادثتين. مرةً، استجارت بنت خاطئة بقائمقام البلدة، فأجارها. كان شيخاً نكنّ له الاحترام. قال، هاتوا الولد, فجاؤوا به. شدّه من أذنه، وقال له، ستصلح الأمر!. كتب العقد في الحال، ونادى على أهله وأهلها، فتلا عليهم قراره، وخرجوا بالزغاريد!. الحادثة الثانية مثلها. ماذا يعني؟!. تعلّم الناس التسامح والاعتدال والثقة فيما بينهم!. نحن،اليوم، يا ابنتي، نخسر ما تعلمناه!.

ضحكت المرأة، وقالت للعجوز:

- وأنت يا عمة!.. ماذا فعلت؟!.

- وأنت ماذا فعلت!.. سأقول لك ما فعلت!.

أنا لم أعش أسطورة عشق يا ابنتي!. مرت الحكاية بسرعةٍ وبساطة!. كنت في البازار، أبحث عن قطعةٍ من قماش الحرير. فدخلت متجراً، وصادفت هذا الغلام!، ألقى اللفائف، واحدة بعد أخرى، حتى ملأ المكان!. وراح يشرح!.. ثم اختار لي نوعاً، قال، هو الأفضل، وحتى يثبت لي ذلك، أشعل عود الكبريت في خيطٍ منه، وفرك الرماد!. هاك انظري الجودة!. وكأني خبيرة!. ثم راح يبعثر الكلام ويعبث. قال, إنه يراني في السوق من وقت لآخر، فتأخذه الدهشة، ويقول من هذه الفتاة الجميلة؟!. ثم بما أني جئت إليه على قدمي، فهذا شيء رائع!، وهو في أتمّ السعادة, فأهلاً وسهلاً, وماذا ترغبين؟!.. القهوة.. الشاي.. أم الحلوى؟!.

قلت في نفسي, لعلّه مجنون!. امتعضت، ولم أنطق بحرف!, أراد الاعتذار، لكني أعطيته ظهراً وخرجت في سرعة لا أعقّب. فمشيت، وراح ينتابني شعورٍ غريبٍ، أني فراشة، وأن المجنون ورائي، يمتطي حصاناً ويغني!. لم ألتفت إليه, حين وصلت كنت ألهث، فأغلقت الباب، وصوته ما زال في سمعي!. عندها، علمت بأني سقطت في غرامه، وأني عاشقة!. وأن العشق ما هو إلاّ ضربة قدر!.

بعد مدة، عدت لأشتري الحرير، قلت له، لا تحرقه، صدّقتك!.. هل تحرق الحرير لكلّ فتاة عابرة؟!. قال, أبداً, لك وحدك!. ولمّا لم تكترثي، وغادرت غاضبةً، خطر لي أن أحرق الحرير كله!. فضحكت. قلت له، أنت مجنون!.

بعدها جاء خاطباً، قال لي أبي، يا ابنتي، إن الفتى من بلاد العرب، فما تقولين؟!. ماذا أقول؟!، انفجرت ضاحكة، وأنا أستعيد المناسبة، لحظة أحرق الخيط، وكان مستعدّاً لإضرام النار في الحرير كله!. قال أبي وهو يهزّّ رأسه، عرفت يا خبيثة!. تريدينه!. وخرج إليه، يدعو أهله للتعارف!. بعدها, جرت الأمور في يسرٍ تكلّل بالزواج!.

ثلاث سنوات، أنجبنا طفلين فيها, السيد الطبيب، والبنت المسكينة المهاجرة!. ثم راح, ولم يعد!.

وعاد العجوزَ طائفُ الماضي!..

ثلاث شموعٍ ضاءت, كما يلمع برق في السحاب، والرّعد يدوّي, وتسقط السماء المطر، ثم تأتي بعد بعدئذٍ السنون العجاف!.

مازالت تحفظ بعض الذكريات!.

ذات يوم, ساعة الأصيل، وقفا معاً يداً بيد، يشاهدان أسراب الطيور المهاجرة, كانت أنساق السمّان البديعة، في عرض السماء، بخطوطٍ محنيةٍ متعاقبةًٍ, تضرب خفقاً بالجناح, كأنها تخيط الضوء بالظلام!. كلّ مساءٍ، يتكرر ذاك الطقس الرتيب، من ثم ينشر الليل سدوله، لتأوي قرب هذا الرجل, في البيت العتيق، وفي ذات المكان، تستقبل الدفء والسعادة والحلم الجميل، بنشوةٍ عارمةٍ لاهثةٍ، مازال صداها ذكرياتٍ حلوةًٍ ماجنةً!. تعيشها بنبض القلب والروح, لحظة بلحظة. لتعود من حين لآخر، وتستعيد اللحظة ذاتها!.

إنّ غصّةً في صدرها، أن لا حظ لها!. ولو كان لها البقاء إلى جنبه, إذاً, لكانت سعيدةً. الآن تدرك، كان مجرّد حلمٍ وانقضى. كبدرٍ عابرٍ ليلةَ صيف، أو كما يخطر النسيم، لتصحو بعدئذٍ، وفي جعبتها بقيةٌ من صورٍ!. بالكاد تقبض عليها، وتستعيد لحظة حدثٍ قديمٍٍ، من زمنٍ ضائعٍ!. اليوم, يقف دونها السدّ مهدّداً متوعّداً!.

هنا، كان لها لقطة, مع ابنها في اسطنبول، وهناك!. مع ابنتها، في القوقاز!.

أما هي, آلة التصوير، والتحميض, فلم تزل تعمل دون كللٍ أو ملل، فوق جبل مشرئبّ على تلال الجنوب، مع قطيع الماشية, والبيت، والحقل، والجوار, في شريطٍ هو الأطول من عمرها, مرّ عليه الصبر والآلام، فلم تبرح!. تخلّت عن شيء اسمه، حلم امرأة، لأجل طفلين يملآن عليها الحياة بالأمل!. ولكن، أين هما؟!. راحا مع الريح؟!. كم نخرت رأسها الظنون، أنها تُعاقب، وتطرح السؤال ذاته، ماذا فعلت للأقدار حتى تُعاقب؟!.

اليوم، تريد أن تبقّى لها خيوط تشدّها إليهم!، مازالت أرواحهم تختال أمامها، مع كلّ فجرٍ صاعدٍ، وشعاعٍ مضيءٍ!. أقدامهم تدبّ من حولها، بصمة أصابع أيديهم على أغصان الشجر!. المقبرة التي ترفل في سلام، حيث يرقد الرجل المسجّى، مع من رحل!. والبيت، والصباح, والمساء!، الوادي, الجبل!. غناء الضفادع والجنادب، ثغاء الشّياه حين تجوع، خوار البقرة، عواء الكلب, والديك حين يصيح!. أصبح كلّ شيءٍ حزمةً من ضباب، يوشّح المشهدٍ الكئيبٍ!.

رافعة رأسها إلى الغيوم، فاحترك بؤبؤا عينيها مع سحابة تمرّ، وجال الدمع، فاجتمع في المحجرين، مندفعاً بخفق الأهداب، وتدحرج منساباً في خيطين هابطين. قبل وصول الشفة، قطعت العجوز الطريق عليهما بمنديلٍ قماشيٍّ!.

وأستأنفت:

- أول الشتاء، كانت ليلةً ماطرة، ونحن حول موقد الحطب، بينما الصندوق العجيب يبثّ خطاباتٍ ناريةً من برلين، أخبار الحرب، والموت، والدمار!. هنا, ذهبت تعلن الحكومة النفير العام، وتسوق الرجال والفتيان والدواب إلى المعركة!. في هذه اللحظة، سمعنا الطرق على الباب. وإذا الدرك يبحثون عن زوجي. قلنا لهم، مسافر!. فلم يصدّقوا!. فتشوا البيت كله, كأنه مجرم يريدون القبض عليه. أبلغونا الأمر العسكريّ، كي يلتحق بهم، فبصمنا لهم، ثم غادروا!.

كانت المأساة يا ابنتي!. صادروا الناس والدواب والمؤن، كلّ شيء!. والمحظوظ, من أخفى حفنة قمح تحت التراب!. ولكن كم تدوم الحفنة والقنطار؟!. انتشرت المجاعة والأوبئة, وقطاع الطرق والسلب والنهب والجريمة!.

وعاد زوجي، فلم يلتحق بهم, فرّ إلى الغابة مع من فرَّ، أراد كسب الوقت، وقال، ربما تكون حرباً عاجلةً وتنتهي!. يسترق المجيء، من وقت لآخر، في عمق الليل، حاملاً القوت والصيد، فيوقد ناراً ويشوي. يضع الطفلين على ركبتيه، لقمة لهذا ولقمة لتلك, يحكي لهما عن الغابة، حكايا الأطفال. الذئب المخادع ينصب شركاً للحمل، والسلحفاة الحكيمة تسخر من أرنب, والوحش المتغطرس، يرى في الماء ظلّه، فيقذف نفسه فيه!. وهما في دهشة يضحكان, حتى يستسلما للنوم، ثم يأتي دوري، ليحكي عمّا كابد في صقيع البرد والزمهرير، وخطر الوحوش, التي تأكلهم، ويأكلونها!.

آخرَ مرةٍ، لم يغادر!.

ولا نعرف، يا ابنتي، كيف طار الخبر إلى الحكومة, فإذا الباب يطرق!. وهم يقتحمون، في لحظة واحدة، حلق نصف شاربه, وترك نصفه الآخر. ثم خلع السروال، وراح يرقص ملوّحاً به!. أمام هذا المشهد، سقطوا في غمرة الضحك، حتى ترامى بعضهم على بعض، وكتبوا، هذا مجنون!.

عندما غادروا، قال لي، هل سمعت؟!. أنا المجنون بنصف شارب، أما من اجتثّه كله, وأبقى ثلاث شعرات في الوسط, فهو العاقل، والبطل الزعيم!. انتظري. لا يفهم المجنون إلاّ مجنون مثله!.

- هل تعرفين حكاية المجنون؟!.

- لا!.

- اسمعيها إذاً!.

في يوم، خطف المجنون طفلاً، وصعد مئذنة المسجد!. أراد الناس اللّحاق به, فقال لهم، عندكم!. أرميه إن اقتربتم!. قال أحدهم، ما العمل؟!. قال آخر، جيئوا له بمجنون يفهم عقله!. فجاؤوا له به. ناداه هذا من تحت، هل تعطينا الطفل, أو نقطع المئذنة بك؟!.. فضحك الأول وهو يسخر من قوله، كيف تقطع المئذنة؟!. بيدك، أم بلسانك؟!.. ردّ الثاني، لا, بشيءٍ آخر. والتفت قائلاً، أحضروا السيف!. فجاؤوا له به، عندها، كرّر القول له، تعطينا الطفل, أو أقطع المئذنة بك؟!. وهنا، هبط المجنون في سرعة، فقدّم له الطفل راكعاً يطلب العفو!. لمّا انتصر الثاني، رفض المكافأة ملوّحاً بالسيف، وهو يخطب:

“خذوا الطفل، والسيف معه”.

أفشى المخبرون السرّ للحكومة، أن المجنون غير مجنون!. وعادوا يبحثون عنه، ففرّ إلى الغابة من جديد!.

جاء رئيس الدرك غاضباً كوحشٍ هائجٍ!، وصرخ بالصوت المجلجل, أين المجنون؟!. مازلت أذكر أسنانه البارزة الصفراء. قلت له, لا أعرف!. قال، كاذبة!. تعرفين!.. إذاً ارقصي لنا بدلاً منه، كما فعل!. صرخت في وجهه، هل هذا ما تحتاجونه في حربكم؟!. اذهبوا إلى الجحيم!. فتقدّم بوجهٍ ممتقعٍ، وكال لي صفعةً!. مازالت أسنانه الصفراء في عينيّّّ. كان يصرخ، لو لم تكوني امرأةً يا امرأة، لكان لنا شأن معك!.

وما هذا الشأن؟!. لو لم أكن امرأة لكنت رجلاً، ولو كنت رجلاً لكنت جندياً، وكان لهم شأن معي!. شأن الوحش القابض على فريسة، للذّبح والشّواء!. أما كانوا يبحثون عنه، وكأنه مجرم هارب؟!. لم ننتظر طويلاً!. قبضوا عليه، وأحضروه مكبّلاً في طريقه إلى الحرب!.

ثمّ راح, ولم يعد!.

- أما كتب إليك يا عمة؟!..

- رسالتين!..

واحدة، بعد ستة أشهر، وواحدة، بعد عشرة!. بعدها، انقطع الخبر كليّاً!. لم يكلّفوا أنفسهم عناء إخبارنا باستشهاده. حاولنا التماس بصيص الأمل، لعلّه سقط أسيراً أو جريحاً!. قال لنا ضابط، وهو يضحك ضحكةً غبيّةً ساخرة، ما رأيك إذاً، في ملايين الموتى؟!. كيف نعثر على أشلائهم الطاهرة، حتى نردّها إلى أهلها المحترمين؟!.

- وماذا كتب لك يا عمة؟!.

- في الأولى, كتب عن حياة الثكنة, والسّخرة، وشقّ الخنادق، ورفاقه، والمأمور الماكث فوقهم يشتم ويلعن!. أما أنهيتم الحفرة، يا حمير؟!. فهل تلعبون؟!. قالوا له، لا نلعب!. صرخ فيهم, اخرسوا!. قال لهم أخيراً، أصبّ الشتائم عليكم، كونهم يصبونها عليّّ!. هل فهمتم يا حمير؟!. قالوا له، نعم، فهمنا، يا سيدنا البغل!.

وكتب يمزح، إن شاربه قد استطال، ولكن, لا مقصّ ولا مرآة!, فأخذ يلوي بالطعام إلى فمه، ما يضطرّه لالتقاط كلٍ واحدة، كالشعرة من العجين!. وأوصاني بالصبر والأمل، والطفلين!.

أخرجت العجوز ساعةً بسلسالٍ فضيٍّ طويلٍ، وقالت:

- هذا من ذكرى المحارب!.

واستأنفت:

في الثانية، أخبرني بوجوده في الجبهة, والطقس سيّء عاصف، قد أغرق المطر الخنادق، والريح أطاحت بالخيام. والقصف والغارات، والأوامر بنزول الدهاليز والمستنقعات!. حتى أرهقهم الجهد والبرد، واستبدّ المرض!. أخبرني بأنهم على أحرّ من الجمر، في انتظار الهجوم. شعرت، يا ابنتي، أنه وصل حدّ اليأس، ,وهو ينتظر الموت بشغفٍ ولهفةٍ، كأنه يرى الخلاص فيه!.

وجاء الأمر, فاحتلوا خنادق العدوّ, وكانت عبارة عن مستنقعات، تطفح بالمياهٍ الآسنةٍ والجثث والرائحةٍ الكريهة. كان القصف من فوقهم لا يهدأ، فيسقط القتلى على قتلى, ويئنّ الجرحى يائسين!.

ثمّ جاء الأمر بانسحاب الميمنة, فالميسرة، وظلوا هم عالقين في الوسط. حتى اشتدّ الحصار، ونفد الغذاء والدواء، وهدّهم الجوع والمرض، وذهبوا يقتاتون على ما ترك العدوّ، من فضلات الخبز اليابس، والقمامة!.

حين فكّ الحصار، وصلوا إلى النفس الأخير!. كتب، لو تأخر الحصار يوماً واحداً، لبدأنا في نبش الجثث وأكلها!. كانت الفكرة جاهزة!.

أوصاني كذلك بالطفلين. وخبر الشوارب التي استطالت أكثر!.. فكان الحلّ، أن عقد ورفاقه جدائل منها، ربطوا واحدة بأخرى، خلف الرأس، في هيئة مخلوقاتٍ بدائيةٍ، من العصر الحجريّ!.

وكتب مقطع أغنيةٍ حزينةٍ, هل تحبين سماعها؟!.

- نعم, أحبّ يا عمة!.

راحت العجوز تدندن بصوتٍ شجيّ، وقد اغرورقت عيناها بالدمع، فأخذت المرأة تكفكف لها، وتبكي!. بانتهاء الأغنية، صفقت لها المرأة. فقالت العجوز:

- كفاك تصفقين, انظري!، وصلت العاصفة!. أمان، جانم، أمان!.

احتجب شعاع الشمس، وتسلّل بالكاد، خلال ركام الغيوم، ضوءٌ مكفهرّ داكن!. فيما لاح في الأفق البعيد سواد مسدود، يضرب البرق عليه شعاباًً من نار، ويضيء، كلّ مرةٍ، جهةً بالألق، ثم ينسحب، فيعود السواد مكانه. لا يلبث أن يختلج مع بارقةٍ جديدة، يتلوها انفجار يمخر في الفضاء، وتثب على أذياله أصداءٌ معربدةٌ!.

مسحت العجوز المدى المشتعل بنظرة طويلة, وتابعت قفز الرعد المدويّ، من مكان إلى آخر، حتى سقط انفجارٌ شديد، ولم تزل الريح تدفع الغيوم، فيظهر الشامخ منها في الأعالي متماسكاً مكفهرّاً، والواطئ في شراذمَ مفكّكةٍ مبعثرةٍ، يلتحم صدفةً، وينحلّ صدفةً!.

واشتدّت العاصفة!..

اجتاحت الريح الهائجة أرتال الشجر، على أرصفة الشارع، وجعلت أغصانها أياديََ تخبط في جنون!. حتى تحطمت مظلات المحالّ!، تعطلت ستائر الشرفات!، وسقط ركام من حَبِّ البَرَدِ، فافترش الطريق غطاءً أبيضَ ناصعاً من كريّاتٍ صغيرةٍ!، وتوقف السير كليّاً، واسّاقط الأثاث، خلال شرفات المباني، من كراسٍ وستائرَ!. فهرع الناس في كلّ اتجاه لا يلوون!.

حدّقت العجوز بذهولٍ في القصف الجارف!. لم تنطق بحرف. رفعت عينيها إلى السماء مرةً أخرى!. ثم هبطت ترى ما يحدث عن كثبٍ!. وما إن هدأ الهدير قليلاً حتى أعلنت للمرأة، أن وقت الوداع قد حان يا ابنتي!. مسحت على رأسها بالأنامل، وابتعدت تنقر بالعصا، فيما لاحت شرافيف عصابة الرأس خفّاقةً وراءها!.

لم تزل السماء تسقط المطر، وامتصّ ثوب العجوز ماءاً كثيراً، فأضحت بالكاد تخطو!. وقفت إزاء سورٍ، من قضبان الحديد, لمقبرةٍ صغيرةٍ قديمةٍ, وتلقائياً ولجت لتجلس في ركنٍ هادئٍ، عند مصطبةٍ وطيئةٍ، شاخصةً إلى جذوع الشّجر العالي، حيث شكّلت خيمةً مانعةً الأمطار والعاصفة!.

العجوز تحبّ المقابر، إنها صديقة الموتى!.. تسترسل معهم بالتأمّل. وقد حفظت جملةً عن أبيها تقول، إن في زيارة الموتى خيراً لنا يا ابنتي!. تعيد لهم الاعتبار، ولنا الذكرى!. هنا، نستعيد أحداث الماضي الجميلة، ما يحرّك خيالنا البليد، ويضفي عليه حيويةً وطمأنينةً. ولأننا روحٌ تائقةٌ للمحبة والسلام يا ابنتي، نصير كالغربال، لنطرح القبح والضغائن!.

ها هي الأحجار، لم تزل بحروفٍ عربيةٍ نافرةٍ، وأشكالٍ بديعةٍ!. تقف الشواهد معها في جلالٍ بهيٍّ، صاعدةً درجاتٍ ومصاطبَ، لترفعَ العمائم والأسماء، ويبقى التاريخ تحت!. لم يعد الموتى يحفلون بالزمن!.

رفعت العجوز الرأس، وأغمضت عينيها، لتقرأ الفاتحة. ثم أطرقت ترنو إلى حافّةٍ حجريّةٍ نابتةٍ بعشبٍ مخمليٍّ دقيقٍ، مرّرت عليه الأنامل، وقرأت أرقام التاريخ!.

آهٍ!، أمان، جانم، أمان!. مضت مئات السنين!.

شعرت للتوّ برجفة البرد، وألقت نظرةً خارج السور, إلى مشاةٍ عابرين!.

إنهم في سرعة من أمرهم، وقلّما يلتفتون!.

تفكّر العجوز في أمر هذا الجيل!. إلامَ يحثّ الخُطى؟!.. وأين سينتهي به المطاف؟!.

ثم قطعت لحظة الشّرود، وقامت تواصل السير!.

عادت الحركة في حذرٍ، والريح ما زالت تهبّ باندفاعٍ مباغتٍ، وتعبث في شؤون المارّة، فامرأة بشعرٍ مصطفقٍ في كلّ اتجاهٍ، وأخرى تحاول بكلتا يديها لمّ الشّعر والتنورة!.. ورجل عجوز لفّ رأسه بالمنديل تاركاً للعين ثقباً وحسب!.

وقفت العجوز، وشدّت رباط عصابة الرأس المرخيّ، واطمأنت عليه.

ها هي الترومواي العابرة تطلق الأجراس, فأومأت لها العجوز!. أن مرّي عليك السلام!. رفعت عكازها أمام سيارة منطلقة، أنها تريد قطع الطريق!، ثم أخذت جانب الرصيف، من ثم كلما حاذت شجرة تعصف بها الريح تمهّلت، ولامست الجذع برأس العصا في رفقٍ!.

وأخيراً، نقرت باب مسجد السلطان أحمد!.

وقفت في الرّواق الدائر حول الباحة، ترفع نظرةً بعد أخرى إلى الأغصان التي ترتجح مع وميض قطر الماء المعلّق بالأوراق!. هنا، يخفّ الطقس الجامح، حتى لتبدو الريح في مزاحٍ مع الأشجار، تدفع لها الأراجيح، وترنّم نشيد الرياح!.

في الواجهة، القوس الحجريّ. ويلفّ الرّواق الدائر وصولاً إلى مدخل الحرم!. فاجتازت العجوز المسافة، وخلعت حذاءها، ثم تقدمت على سجّاد أحمر نحو المزار، حيث القضبان المشبكة بنحاسٍ مطليّ بالذهب، وقد علّق الزوّار أيديهم بأكمام معاطفَ مبتلّةٍ تسحّ ماءًاً. في المقابل، الهيكل، والضريح والعمامة بأقمشةٍ خضراء. ثم صندوق جمع التبرعات.

علّقت العجوز يديها بالقضبان. وتسلّل إليها همس ترتيلٍٍ وأدعية. انتبهت إلى ثرّيا ضخمةٍ معلّقةٍ بسلسالِ الزرد، من قمة القبة السامقة، وحتى مسافةٍ قريبةٍ من قامةِ المارّة. ضوء المصابيح الصغيرة باهتٌ شاحب!. والزجاج الملوّن، للنوافذ في مدار القبّة، يشعّ من حينٍ لآخر، مع البرق الخاطف، وهدير الرعد. فأدركت العجوز أن العاصفة عادت من جديد. وشعرت لحظة كانت تحدّق في المشهد، بدفق الشعاع الصاخب يسقط في أعماقها، مع كلّ شهيقٍ وزفيرٍ!. فانتشلت يديها من القضبان، واستدارت في خطىً سريعةٍ تجاه الباب العالي، فحملت الحذاء، لم تنتعله، ومكثت، في الرواق الدائر، تراقب ما يحدث في الساحة!.

عادت السماء تصبّ سيلها الطافح ماءً، حتى صارت الساحة بحيرةً. وتجمّع زوّار أجانب يتابعون المشهد العجيب في رهبة!. فتقدّمت العجوز من وسط الساحة، وهي حافيةٌ تحدج السماء، فلبثت هكذا دون حراك، حتى صارت شلاّلاً يغدق الماء طيّةً إثر طيّة، فينثال وثباً فوق ثنايا الثوب، لينتهي في البحيرة!.

أخيراً، وقد عمّدها الماء، استدارت صوب الرواق، وراحت تجرّ رجليها من غمرٍ طافحٍ!.

تحت القوس، امرأتان. قالت إحداهما:

- يا عمّة!.. صديقتي الأجنبية، تريد أخذ صورة لك!.

فوقفت العجوز للكاميرا، بطولها السامق، وعصابة الرأس, وابتسامة صغيرة واثقة!. لكن المرأة السائحة راحت ترجو أحداً ما، كي يلتقط لها الصورة، وتكون هي في المشهد!.

وغادرت العجوز المكان!.

دخلت محطة الترومواي، واحتلّت قضبان السكّة ماكثةً تصيخ السمع لرنين آتٍ من قاع الزمن!، كانت عربة الترومواي تقترب!. وتصاعد الصدى في رأسها حاملاً معه صوت رجلٍ نبيلٍ، يكرّر لها بضع كلمات ويقول: “تحرّكي.. يا ابنتي، واتركي السكة.. تحرّكي!.” هذا الصوت تعرفه!.

وفجأة، وقف شابٌ عابرٌ، ونادى عليها: أماه!. اتركي السكة!. ماذا تفعلين؟!. تنتحرين؟!.

فانتبهت العجوز للشاب، وحدّقت فيه!, إنه ليس ابنها!.

ثم عاد صوت الرجل النبيل يهمس في رأسها ثانيةً بوضوحٍ أقوى:

“ تحرّكي.. يا ابنتي.. تحرّكي!.”

إنه صوت أبيها!. تعرفه جيداً!.

وفي اللحظة، انطلق زعيق أجشّ لسائق الترومواي جاحظ العينين، برأسٍ تدلّى خلال قمرة القيادة:

ماذا تفعلين هنا يا امرأة!. أيتها العجوز؟!.

في اللحظة، وثب الشاب للتوّ آخذاً بيدها في اتجاه الرصيف!.

اجتازت العجوز مسافةً، ومكثت عند سور الحديقة، تحت الشجرة، كي ترتاح قليلاً. تبتعد، عن يمينها، ترومواي هابطة إلى المدينة، وتقترب، عن يسارها، تلك اللاحقة، من ثم الصاعدة، في المقابل. كانت السماء ترمي حبالاً من ماءٍٍ، فيبدو المشهد ضبابياً، تجلوه، من حين لآخر، ريحٌ عاصفةٌ. لا أحد في الطرقات، والحديقة مقفرة!. فمدّت العجوز يداً، واستعانت بالغصن المنحني، كي تنهض من جديد!.

حين صارت العجوز في مهبطٍ غامرٍ بالسّيول، والسماء مازالت تلقي المياه، التي تنساب طيّات عليها، والبرق يطلق النار، والرعد يبعث انفجاراتٍ تشرخ الأفق، وتوهّج الغيم المضيء بالألق، فأوشكت أن تغرق!. عندها، رفعت عينيها إلى السماء، غير عابئة، تدور حول نفسها، وتردّد كلماتٍ مبعثرة:

مئتا ألف ليرة.. يا عمّة!..

من فضلك يا عمة!..

مئتان وخمسون ألفاً فقط.. ياعمة!.

يا عمة!.. يا عمة!,

للجرعة!.. يا عمة!.

والحال هذه، في معمعة الصخب، كان ثمة أصوات شجيّة تنبثق من براثن العنف!، من همسٍ خلال هدير المطر!، وأنينٍ في عواء الريح الضاربة أغصان الشجر!، من حفيفٍ عذبٌٍ أغنَّ، في بحّّة إيقاعٍ مائيٍّ راكضٍ بسيلٍ غزيرٍ دافقٍ، يدور في منافذ الأرض بالتفافٍ حلزونيٍّ، ويغرغر، ثم يغور. من ثم يمدّه المدد!.

أمام الجوقة الصارخة تلك، والسماء تضجّ لمعاً وبرقاً وصخباً بانفجاراتٍ تدوّي، انطلق غناء العجوز, وهي تنحني، لتملأ كفّيها مطراً، ترشق به هنا وهناك، وتصدح، ترنيمة الماء، في حنوٍّ بالغٍ:

أولادي، يا خلق الله!..

تعالوا، لمّوا الماء.. اشربوها!.

اجمعوها!..

اسقوا العطاش، للصحارى انشروها..

لا تحصروها!..

لا تمنعوها!..

أولادي، يا خلق الله،

احضنوها !..

مثل الهواء روها!..

لا تحصروها!..

لا تمنعوها!..

أولادي، يا خلق الله!..

غنّوا لها..

اسمعوها!..

اكتبوا لها.. اقرؤوها!.

لا تحصروها!..

لا تمنعوها!..

أوّاه… أوها!..

أوّاه… أوها!.

صرخ رجل عابر..

- ولكن يا عمة!.. تعالي، من هذا الطقس الفظيع!..

أومأت له العجوز, وهي ما زالت ترنّم:

أولادي, يا خلق الله،

مثل الهواء.. روها!..

لا تمنعوها!..

- ولكن.. يا عمة!.

- أولادي يا..

- ياعمة!. احتمي!.

- بوركت يابنيّ!. إني عائدة!.

- أين؟!.

- إلى بيتي!.

* * *

في المحطة!.

القطار يستعدّ للسفر..

صافرة الحركة..

ثم الانطلاق!..

تابعت العجوز ركض المباني للوراء. والسّكّةُ تلوي بالقطار، حتى إذا استقامت استقام، و ازداد سرعةً، فأضحت النافذة شاشةً لاهثةً!.

مسحت العجوز الشريط المنطلق بالنظر. ثم شعرت بارتخاء التعب، فألقت رأسها إلى مسند الكرسيّ، واستسلمت للنوم!.

قطرة.. قطرة !..

تسحّ ثيابها المبلّلة، على مقعدٍ جلديّ، وينساب خطّ الماء في الممرّ، خلال أفاريز مطاطيّة، حتى نهاية المقطورة. هناك يأخذ بالتسرّب، خلال بابٍ موصدٍ قطرةً.. قطرة، وينتهي فوق دواليب الفولاذ، فقضبان الحديد، فالحصى!.

المقطورة شبه خالية!..

ولم يزل القطار يخترق أنساق المباني صاعداً الجسور، عابرًًاً الأنفاق.

هنا، يفصل النهر المدينة نصفين، كذلك البحر يفصلها. وحدها السماء، تمدّ سقفاً متصلاً طويلاً!..

لوى القطار في المنحنى، ليظهر النفق بغتةً، فاستقام كالسهم، واخترق الجبل. وباجتياز الضواحي، أقلع من جديد ينهب المسافات خلال الغابة، والأنفاق مستوياً واثقاً، فيما تميل السهوب، وتثب التلال، على الجانبين، رافعةً الأكتافَ تارةً، لاويةً الخصر تارةً، أو مادّةً ساقها إلى البحر تارةً أخرى!..

وصاح الديك، فرفعت العجوز جفنيها!..

هذي صيحة الوصول!، ويبطئ القطار السرعة على مشارف المحطة. هنا، حيث يلوح لفيف بيوتٍ متراكبة على سفح الجبل!. احتلت الغابة الجانب العلويّ منه في كثافةٍ، من ثم توزّعت في آكامَ متفرّقةٍ هابطة. يعمّم الثلج الهامة المشرئبة، ويغطي أغصان الشجر بطبقةٍ بيضاءَ ناصعةٍ. لم يعد للسقوف المائلة مرأى القرميد الأحمر، إلاّ من زوايا خجلى، لدى الأطرافٍ المتقدّمة المجنّحة!.

تطوف المراكب، في الساحة الصغيرةٍ، أمام المحطة، حيث نصب حجريّ في الوسط، وقد استقرّ الثلج فوق رأسه والذراعين، تاركاً خيوط ماءٍ متهدّلٍ جامدٍ. وتلفّ المراكب، كالساعةٍ الدائرة في هامش الزمن!.

تابعت العجوز المشهد حتى انطلاق الصافرة، فتحرّك القطار، وأرخت للنوم جفنيها!.

أضغاث حلمٍ أسطوريٍّ!.. أشباح!.

غابةٌ من مرجان، بقرون غزلان ضخمةٍ خرافيةٍ، تكبر من قاع البحر بدايةً، وتصعد، لتشقّ السطح شامخةً مشرئبّةً!. وتضرب الحيتان بأذيالٍ ضخمةٍ مرسلةً أمواجاً عاتيةً، تغمر الشطآن والهضاب والوديان!.

والعجوز تصارع، وتلهث صاعدةً هابطةً، مادّةً يداً إلى البرق المارق، صارخةً بصوت الرّعد المدوّي!.. ثم تلوّح للعاصفة التي تهبّ!.. وتضرب البحر، فتلفّه لفّاً صاعداً كالجبال!.

ثم، بانتفاضةٍ قويةٍ، استجمعت قواها، وخرجت تلتقط الأنفاس. لتصحو مجفلةًً مذعورةًًً!.

وصل القطار عند أطراف الجنوب، وهو يبطئ السرعة، حيث المحطة الأخيرة!.

فرفعت العجوز رأسها، وحدّقت في الظلام المدلهمّ المديد!. لم تستبن جبلاً أو غابةً أو بيتاً!. كان هناك شبح قطارٍ قادم، يلفّ انعطافاً عند منحنى الجبل، وتبدو مصابيح الأعمدة، المزروعة على طول الطريق، في الدجى، ذبالاتِ شمعٍ باهتةً، تلوي باتجاه الذيل ركضاً إلى الوراء، وتلتفّّ حوله!..

هنا، في هامش الزمن، والمكان الصعب!.

والآن، أيتها العجوز!. يجب النهوض!. الحيوانات الجائعة تنتظر، والبيت، والحقل، والسدّّ!.

ثمة أصوات تصرخ من بعيد، فتنبح، أو تخور، أو تزأر!.

- تمت -

مشير الياسين

صياغة أولى، في: 18-4-2001

ثانية، في: 7- 3 -2007

ثالثة، في: 22-7-2010

(حوارية أحادية الصوت)

وصايا لولد

-1-

تعال ياولد !.. أراك تبكي!,
هات يدك كي نجول في زواريب المدينة, سأريك ما لم تر، لا تبتئس!.. سنلهو, ونضرب في السراب, ونشرب القهوة!.
رح الآن اشتر لي علبة تبغ!. إيّاك أن تقول لابنك, ذات يوم, اشتر لي علبة تبغ!..
تعال نقتعد في المقهى!..
هات لنا الصحيفة, وافتح على الحروف المتقاطعة, أبعد تلك الكلمة اللعينة عن خانة العهر!.
انظر هناك عين الحارس البللورية!.. أين الفوارق في مشهد الرسم؟!..
اقلب الصفحة، إلى زاوية البريد!..
والآن, اقذف الجريدة في الزّبالة!..
هات الشطرنج, ودعن أدخّن قليلاً.. إياك أن تدخّن يوماً ما, وتقول لابنك اشتر لي علبة تبغ!..
أطلق الحصان في الميمنة!.. اسحبه في الميسرة!.. قدّم الفيل!.. اترك شأن الملك, حرّك الحصان!.. قلت لك, الحصان!.
لا تراجع في الميمنة. احذر الميسرة!.. يخاتل الشيطان من خلفك!..
خذ الجنديّ هناك, حاصر الفيل!..
احذر الشيطان, صار عن يمينك!.. وثب فوق!.. هبط تحت!.. احذره هنا!.. أبعده هناك!.

-2-

يا لك من ولد طائش !..
قلت لك ألف مرة, طلّق الكرة اللعينة قليلاً, وافتح الكتاب والدفتر!.. أما تعتبر كلامي يا ولد؟!.. أرني ركبتك الدامية.. ورأسك المورّم!.. أما زلت تعرج؟!.. زيّن لك الشيطان الأفاعيل!.. تبّاً له.. تبّاً لك!.
ونسيت الذهاب إلى جدّك!, فمن يعطيه الدواء؟!..
هل أريت المعلّم ما كتبت له؟!.. لا تجب فأنت لم تفعل!. كذلك نسيت أن اليوم يوم الجمعة, فلم تحمل الورد إلى المقبرة!.. يا لخيبة الأمّ والجدّة فيك!.. أهكذا؟!.. أهكذا تفعل من بعدي؟!.. يا لخيبتي فيك!.. ماعساي أفعل بك؟!..
أكاد أجنّ من طيشك!.. أكاد أختنق!..
أكاد أنقضّ على الدركيّ حتى آكل لحمه!.. لحمي أكله الهزال، منك ومن الدركيّ!..
دمي ينضب!.. وأنت الراكض وراء الكرة!.. تلعب.. وتلعب، فلا تتعب!.

- 3 -

أيها المخبول!..
ماذا قلت لك؟!.. وما تقول؟!… لا تفتح فمك!.. لا تردّ في وجهي!.. ما زلت لا تجيد حتى تنظيف إستك!.. ولاتعرف أيّ شيء!. تأنف من كلامي، وتأنف من كلام جدّك!.. كأنك أنت جدّه!.. وأنت، أنت.. مازلت لا تفقه ما تسمع, ولا ما ترى!..
نعم.. أنت لا تفهم!.. وإن أرسلتك في شراء قلم, شريت لي علكة, لتدسّها في فمك الواسع الضخم وتجترّ!..
تشاهد التلفاز لساعات وساعات!.. بفم مفتوح, وتجترّ!.. ساعات وساعات!.. سأكسر التلفاز كي تستريح!.. هل يعجبك؟!..
قل لي إذاً, ما يعني الفيلم الذي شاهدت؟!.. طبعاً لا تعرف!. وماذا وراء الإعلان الذي رقموه في عينيك؟!.. طبعاً لا تعرف!.. كالأصمّ الأبكم!.. لا سمع, ولا طاعة!.
هل أخطأت يوم أنجبتك يا ولد؟!.. هل اقترفت جريمةً؟!.. إذاً، تعال حاسبني!.. أكاد أجنّ منك، ومن شكلك!..
كأنك أنت المدير الصفيق أمامي، ساعة النحس!.. وقلبت في وجهك الطاولة!.. هل رأيته في حياتك مرةً يا ولد؟!.. مثله تماماً, خصمان لئيمان!.
أنتما خصمان!.. يا سعدان!..

- 4 –

وهذا المدير الأجرب لا أحبه!.. لا أحبّ وجهه!.. الكاذب المنافق!.

لا أحبّ ربه!..
كلما استدعيت إليه, وجدت يديه تلعبان في هواتف عشرة!.. من واحد لآخر، كلاعب الكشتبان* الغشّاش، على قارعة الرصيف!.. يصرخ في واحدٍ, ويضحك في آخر!.. يئنّ لهذا, ويفحّ لذاك, يخور كالثور!.. يشرّع لك فكّيه كالتمساحٍ، كالمغارة!. وفجأة، يزأر زئير وحشٍٍ كاسر!.. ويرفع سماعة أخرى، ليأخذ راحةً!.. هنا، عليه أن يموء!.. ثم أخرى ليجعر، ويجعر!.. وأنا المنتظر، أنتظر!.. فلا يشفق على سنّي, وكأني استدعيت لحضور مسرحيةٍ فاجرة!.
يخاطب الموظفين كأنهم أغبياء حمقى, أو خدم عبيد!.. وينفث السمّ الزعاف، ويلوي!.. في كلّ اتجاه!.
لا أحبه!.. لا أحبّ وجهه. هل تفهم ما أقول؟!.. دسّ السمّ في جسمي، وأنا أعاني!.. هل تفهم ما أعاني يا ولد؟!, وكم أنا بائس معذب؟!..
اهترأ جلد الكرسيّ تحت إسته ألف مرة, كأنّ منفاخ النار فيه, ولم يغادر. اهترأ جلده!, تجعّد!.. ترهّل!.. ارتسمت عليه شعاب خطوط شمطاء داكنةٍ مزرقّةٍ مقرفةٍ!. رأيته في حمام السوق, يوم زفّ ابنه**. كان يصوي!.. ويصوي!.. ولا نعرف, هل يهلّل, أم يولول؟!.. ولم يغادر!.
انتفخ حتى صار كالبرميل، كالبالون، من اللحم والشحم، لا فرق عنده، لحم الإنسان والحيوان!.. ولم يغادر!.. قال، إذا أحبّني الناس فما ذنبي؟!.. وكأنه يقول، يحبّ الناس المجرمين، واللصوص، ومصّاصي الدماء؟!..

أخيراً ملّ الكرسيّ من تحته، فانكسر, وسقط كي تندقّ عنقه!.
ومازال السمّ في جسمي، يسحق لحمي وعظمي!.. فلا رحمة الله عليه, عليه اللعنة!.

- 5 -

اصعد الحافلة قبلي!.. واقطع بطاقتين!..
أخبر السائق أين نهبط!.
الجوّ خانق افتح النافذة!.. دع عنك غزل الفتاة!.. يا ولد!..
اخفض ركبتيك عن ظهر الكرسيّ.. رتّب ياقة القميص.. اعقد رباط الحذاء.. واثبت، سيضغط السائق المكابح!.
عينيك للأمام!.. هل تلتفت مع كل امرأة تمرّ يا ولد؟!.. وأنا معك؟!. ويحك!.
اترك العلكة، أو أزرعها لك في شعرك!.. لا تنقر الأرض بقدمك!..
كفاك تمعن في اللافتات يا ولد!.. أما أتقنت الكذب والنفاق بعد؟!.. كم مرةً تردّدون الشّعار في المدرسة، كل يوم؟!.. أما يكفي, ألا يكفي، يا ولد؟!..
هيا وصلنا!.. جاهز أنت؟!.. ناد على السائق، حتى يقف!.
والآن, قدني صوب البائع الذي غشّك!.. جاهز أنت للنزال؟!.. أنهض سروالك جيداً, واستعدّ!.

- 6 -

تمهّل!.. لا تقطع الطريق!. ألا ترى الحشر الزاحف ياولد؟!.. لنسمع موسيقى الأبواق اللعينة، ونشمّ رائحة العطر الأسود، ما تجود به مؤخّرات المراكب المهترئة القذرة!.

ها هو سور دمشق المحروسة!.. انظر!.. ماذا بقي منه؟!.. بضع أحجار ٍتتهاوى!. ستهبط فوق رؤوسنا يوماً ما، وننتهي!.

انظر هناك!.. أيها الأرعن!.. ماذا تقول اليافطة؟!.. والصورة من تشبه؟!..هذي صورتك!.

فصرخ الطفل ملء فمه :

- لا..ا..ا..ا..ا..!.

- انتهى-

*( الكشتبان):

اسم أعجميّ , يعني: القبعة المعدنية الصغيرة, توضع في رأس الأصبع حين الخياطة, لتدفع الإبرة في الشيء المخيط. وقد اشتهر بعض المحتالين باللعب في عدد منها على أرصفة الشارع. يخفون تحت واحدة حبة صغيرة، يحركونها بين الأخريات في خفة، لخداع اللاعبين، والرّهان على مكان وجودها، للربح المحتمل!.


**
عادة تقليديّة, مازالت تجري في بعض البلدان, تقضي بأن يدعو العريس وأهله الأصدقاء والأقرباء من الرجال, للاستحمام والعناية بالعريس, في حمّام السوق الشعبي, ليلة الزفاف!.

الكاتب والرسام :
-
من الجنسية العربية السورية: مواليد: حلب 1957, إجازة في الأدب العربي.
-
مخطوطات أدبية: في الرواية والقصة القصيرة والشعر والترجمة.
-
معارض رسم: في حلب 1998، ودمشق: (المركز الثقافي الإسباني)، و(المركز الثقافي الأمريكي). وفي بيروت: (المعرض الدولي للكتاب: جناح منظمة العفو الدولية, الأمنيستي). ومعرض في باريس: 2007.

عمّان،

نص منقح: في 3/11/2008- معدّل 2-6-2010


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.